ذكر روبرت جرين في كتابه (القوة The Power) تحت القاعدة 32، ابق يديك نظيفتين تفصيل موسع عن هذه الفكرة مع العديد من القصص، وهو كتاب ثر يزعم فيه صاحبه أنه اهتدى إلى شطرنج القوة بـ48 قاعدة، ويكاد الإنسان لا يصدق عن وجود هذه القواعد من الشطارات والمخابث والملعنات والكيد والغدر والاحتيال والاختيال والحفر من جميع ألوان المكائد، حتى يقرأ هذا الكتاب مضافا إلى كتاب الأمير لمكيافيلي فيفهم طرفا من لعبة السياسات والقذارات.
وقد يكون هناك من القواعد ماهو أكثر مما ذكر، ولكنه كتاب فيه من القصص العالمية كنز كبير يمكن أن تسخر في الاتجاه الذي لم يرده صاحبه، وهو مشروع في ذهني منذ زمن خروج الكتاب مترجما إلى العربية، بحيث أفرد عمودا لكل قانون من قوانين لعبة السلطة، وكانت أول قراءة لي للكتاب باللغة الألمانية، وأذكر تماما حين كنت في الطائرة وبجانبي ألماني في رحلة عمل خارج ألمانيا وأنا أقلب الكتاب ذا اللون القمرديني فحسبني سياسيا مخضرما؟ فتبرأت من ملتهم!
وكان سر اهتدائي له البحث الذي أشرف عليه عشرة من الباحثين في علم الاجتماع والنفس والسياسة، تحت مقالة موسعة نشرت في مجلة در شبيجل الألمانية واسعة الانتشار بسبب الضجة التي أحدثتها التجربة النفسية (Das Expermint) على مجموعتين من البشر تولوا دور القائد والضحية، وكان عنوان البحث (سيكولوجية السيطرة والانصياع)، وفي هذه القاعدة يثير مشكلة أو فكرة القربان، وكيف يمكن أن تتجسد في أشكال شتى من خلال السلوك الاجتماعي وعلاقات توازن القوة.
ونحن نقرأ في القرآن عن أول صراع ينشب بين الإخوة بدأ عند تقبل القربان من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك! في ست آيات رائعة من آخر ما نزل من القرآن في سورة المائدة واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك، قال لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.
حقيقة هذه الفكرة قرأتها للمرة الأولى في كتاب أثار ضجة في الستينات لجودت سعيد بعنوان (مذهب ابن آدم الأول)، وتعرفت على صاحب الكتاب لاحقا، وفهمت عمق الضجة والتردد والتعليق وعدم القبول من الوسط الإسلامي، وصعوبة فهم هذا الموقف على الناس، فضلا عن تعطيل أو التوقف أمام نصوص كثيرة، تنص على القتل والقتال والجهاد في سبيله، فكيف يمكن وضع آية القربان هذه، وعدم الدفاع عن النفس مع آيات فاقتلوهم حيث ثقفتموهم؟
إنها ولا شك فلسفة جديدة، ولولا وجود الآيات الست والقصة في القرآن لربما ما تقبلها مسلم، ولكنها موجودة فماذا يفعل بها؟
البعض قال إنها آية منسوخة بآية السيف الموجودة في أول سورة التوبة، ولكن هل تنسخ الآيات بهذه السهولة، أم أنها أي آيات سورة المائدة عن صراع ولدي آدم يمكن رصفها وترتيبها ضمن المنظومة المعرفية الكلية للإسلام بما فيها القتال في سبيل الله؟
مع هذا تبقى هذه الآيات الست حاملة السر العظيم، إنه ولا شك موقف أخلاقي كبير، أي عدم الدفاع عن النفس، ولكنه قد يحمل موقف الضعف، في أن يُضْرَب الإنسان فلا يرد، فالغريزة الطبيعية عند كل كائن أنه يدافع عن نفسه، فكيف يمكن تدريب الإنسان وإقناعه أن لا يدافع عن نفسه؟ لولا تدريب قاس جدا، وبنتائج مغرية جدا أن هذا الطريق هو أفضل.
أفضل ما يمكن الإجابة عن سر هذه الآيات المحكمات أن الجنس البشري جرب القوة والقتل حتى وصل إلى الجدار النووي وعرف أن القوة ألغت القوة، وأن مؤسسة الحرب ماتت، وأن الحرب والضرب والنزاع لا يقود إلى حل المشاكل إلا بعدا عنها، وأن شبح القوة يتملك صاحبها مثل جني سندباد فيركب على ظهره ولا يبرح، وأن من يملك السلاح يملكه السلاح فيخسر السلام؛ وهو الإغراء العظيم لبني صهيون بعد أن امتلكوا السلاح النووي؛ فضمنوا البقاء مؤقتا، مقابل أن خسروا السلام مع أرواحهم وجيرانهم.. وإنه لعلم للساعة فلا تمترنّ بها؟.