نعم، ندرك أن التركة ثقيلة، والمهمة ليست سهلة، لكن القائد الجديد للجامعة العربية يدخل البيت العربي وهو مدجج بأسلحة الخبرة والمعرفة والدراية، ويحمل في جعبته من الأدوات ما يجعله قادرا على أداء مهمته

يأتي تسلُّم وزير الخارجية المصري الأسبق، أحمد أبو الغيط، مهام عمله الجديد، أمينا عاما لجامعة الدول العربية، خلفا لسلفه نبيل العربي، في مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة العربية التي تشهد تحديات غير مسبوقة، بدءا من الأزمات المتعددة التي تمر بها كثير من الدول العربية. فالأزمة في سورية توشك أن تكمل عامها السادس، دون أن يلوح في الأفق أي أمل في إنهاء الأزمة، في ظل التعنت الذي يبديه رأس النظام بشار الأسد، والدعم غير المحدود الذي توفره له إيران وروسيا على كل الأصعدة، عسكريا وماديا وسياسيا.
وما زال العراق يجتر مشكلاته الطائفية، ويتساقط أبناؤه بفعل عمليات إرهابية أذكتها تدخلات طهران في شؤون بلاد الرافدين، مؤججة نيران المذهبية التي تكاد تقضي على الأخضر واليابس، وتذهب بالبلاد في طريق اللاعودة، يتهددها شبح التقسيم والتشرذم.
وفي مهد العروبة، اليمن، تواصل ميليشيات الحوثيين انقلابها على السلطة الشرعية، بدعم من النظام الإيراني الذي دفعها للاستيلاء على الحكم بالقوة، ويستمر في تحريضها على عدم التجاوب مع كل المحاولات الرامية للتوصل إلى حلول سياسية، تعيد إلى البلاد استقرارها وتفرض الأمن، وتساعد المحتاجين.
وما زالت ليبيا غارقة في الفوضى بفعل الحرب الأهلية وسطوة الإرهاب، كما لا زال لبنان يعاني مشكلة الشغور الرئاسي في ظل إصرار حزب الله على رهن إرادة البلاد لأجندة نظام المرشد، التي تريد الاحتفاظ بالورقة اللبنانية كأداة ضغط، تستخدمها لتحقيق أهدافها في المنطقة.
اللافت أن مشكلات البلدان الأربعة المذكورة تعود في الأصل إلى تدخلات إيران السالبة في شؤونها، واستغلالها الأقليات في تلك الدول، وإثارتها ضد حكوماتها، وإغرائها بالخروج على الشرعية، أملا في استعادة أمجاد إمبراطورية غابرة لن تعود، بعد أن كتبت نهايتها جيوش الفتح الإسلامي، وهو ما يلقي مسؤولية ثقيلة على القيادة الجديدة للجامعة، ويجعل المهمة الأولى لأبوالغيط هي التفكير في وسائل غير تقليدية، يرغم بها النظام الإيراني على التوقف عن افتعال المشكلات في دول المنطقة، وتقوية الصف العربي الرافض لزرع الفتن، وبذلك يكون قد وضع اللبنات الأولى لعلاج مشكلات الدول العربية.
وبغض النظر عن الدوران في فلك نظريات المعارضة، والبحث عن مبررات للإخفاق والفشل اللذين لازما مسيرتنا كعرب، إلا أنه من المسلَّم به أن السياسة الخارجية للنظام الإيراني تقوم في الأساس على إضعاف الدول العربية، وتبديد مواردها وقدراتها، وإنهاكها في حروب بينية داخلية، تؤدي في نهاية المطاف إلى زوالها وجعلها لقمة سائغة أمام أعدائها، وفي مقدمتهم طهران، وهي سياسة لا تحتاج إلى كبير عناء لإثباتها وتأكيدها، بل إن أقطاب نظام ولاية الفقيه أنفسهم لم يعودوا ينكرونها أو يحاولون التنصل منها، فقد وصلت بهم الجرأة إلى الحديث عن سقوط أربع عواصم في أيديهم، وقولهم إن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الإيرانية الجديدة.
إزاء ذلك الواقع، يبقى من قبيل التفريط والتخاذل أن نجلس في انتظار الآخرين ليكبحوا جموح طهران نيابة عنا، وأن نكتفي بتوجيه اللوم للولايات المتحدة بسبب التقاعس عن القيام بهذا الدور، فنحن أمة لم تعتد إلا أن تأكل بيدها، ولنا في عاصفة الحزم التي رفعت لواءها المملكة العربية السعودية أسوة حسنة، فقد بعثرت في ساعات محدودة أحلام النظام الإيراني ومؤامراته التي عكف على حياكتها قرونا عديدة، وحققت أهدافها في وقت وجيز، وتركت أعداءنا يلوكون الحسرة والندم، ويلوذون بحماقاتهم التي ما قطعت أرضا ولا أبقت ظهرا.
وهناك نموذج آخر لفعالية العمل المشترك، يتجلى في القرارات التي اتخذها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واجتماع وزراء الداخلية العرب، ومنظمة التعاون الإسلامي، باعتبار حزب الله اللبناني منظمة إرهابية، والبدء في خطوات فعلية لتجفيف منابع تمويله، ومحاكمة المتعاطفين معه، وهي الإجراءات التي اتبعتها الولايات المتحدة بإجراءات مالية لإغلاق حسابات الحزب وكل قادته، وتهديد المصارف التي تتعامل مع الحزب المذهبي بالمقاطعة والعقوبات، وهو ما جعل الحزب في وضع سيئ، أرغم أمينه العام على وقف بذاءاته في حق الدول العربية. ومن هذين النموذجين يتضح أننا بوحدتنا نستطيع تحقيق أهدافنا وبلوغ غاياتنا، وفي أيدينا من الأدوات ما يكفينا عن طلب العون من الآخر، ولو كان صديقا.
ومن الملفات التي لا شك أن أبوالغيط سيوليها اهتمامه، استعادة دور الجامعة، حتى على المستوى العربي، قبل التفكير في جعلها إحدى الأدوات المؤثرة في السياسة العالمية، فهناك خلافات تعتمل بين بعض الدول على قضايا مختلفة، ينبغي حلها، إضافة إلى استعادة ثقة المواطن العربي في الجامعة، وإزالة المفاهيم السالبة التي تدور في أذهان البعض عنها.
وكذلك لا بد من تعزيز العمل العربي المشترك، وإزالة الصعوبات التي تعترض تحقيق هذه الغاية، فالعالم اليوم يتجه نحو التكتل والوحدة، ولا سبيل لاستمرار الفرقة والتشرذم.
وهناك مشكلة الإرهاب التي باتت تؤرق مضاجع معظم دول المنطقة، وهو داء لم يستفحل ويستشري إلا لأنه وجدنا في حالة ضعف، فمد أذرعه الشيطانية وبات يهدد وجود كثير من الدول، لذلك فإن تفعيل محاربته واستئصاله يعد أولوية قصوى، ينبغي منحها ما تستحق من الاهتمام.
نعم، ندرك أن التركة ثقيلة، والمهمة ليست سهلة، لكن القائد الجديد للجامعة العربية يدخل البيت العربي وهو مدجج بأسلحة الخبرة والمعرفة والدراية، ويحمل في جعبته من الأدوات ما يجعله قادرا على أداء مهمته بالصورة المثلى.