لا أتذكر أنني في السنوات الأخيرة، وبالتحديد في مناسبات الأعياد، وفي عيد الفطر تحديدا، نزلت إلى الشارع العام وإلى قضايا الناس وهمومهم اليومية. وأنا لا أكتب اليوم كـ(فصيل الأنا) فمن هو أنا. لكنني سأعترف لكم اليوم أنني أدمنت العزلة والوحدة لعامين متتاليين وظللت أدور تائها في مساحة أمتار معدودة لا تتجاوز تلك المساحة الضيقة ما بين منزلي وبيت والدتي. عشت مساحة هائلة من الفراغ، وكنت أظن أن القراءة ووسائل التواصل الاجتماعي كافيتان لوحدهما لمواصلة هذا التدفق الكتابي، لكنهما وسيلتان لن تصلا بك إلا إلى مساحة ضيقة من هموم الناس وقضاياهم اليومية.
اكتشفت في هذا العيد أن (أحمد) -على سبيل المثال- لا يهمه أن تكتب ملخصا لكتاب السنة والإصلاح للمفكر الكبير عبدالله العروي لأن أحمد كان مشغولا بسيارته الوحيدة التي تنام في الورشة لشهرين متتاليين، وكان يظن أن زكاة رمضان ستأتي إليه ليحتفل بسيارته في العيد.
اكتشفت مثلا أن (يحيى) لا يمكن أن يلتفت أبدا إلى ورقة واحدة من كتاب الدكتور محمد بن تنباك عن توزيع النخب السعودية لأنه مشغول بذلك الهم الأسري حين خرجت بناته الثلاث وابناه الاثنان من نظام حافز التكافلي.
الخلاصة أنني بدأت أكتشف أن الفوارق ما بين النخب الثقافية وبين محيطها الاجتماعي أصبحت مسافة ضوئية كاملة. وعلى مسؤوليتي، مرة أخرى عودة إلى القراءة: قرأت خلال هذا الأسبوع -بقرار شخصي- معظم مقالات الصحف الرسمية، وفيها اكتشفت أن بضعة مقالات فقط من بين المئات هي من كتب حياة الناس وتفاصيل آمالهم وآلامهم اليومية. والعام القادم ستكون لي نقطة الانطلاق والتغيير والخروج من العزلة وسأعود إلى (قوز الجن) و(طور العفاريت)، حيث كتبت بهما خليط دمي مع جلود البسطاء والأبرياء، مختلطا بدموعهم تلك التي تخرج من عيون لا تقرأ أقلام النخبة. هم يريدون أن يصل صوتهم إلى المسؤول حتى وإن لم يقرأ. فالمسؤول لا يشبه إلا الكاتب في الحياة المشتركة ما بينهما في برج عاجي.
إخواني الكتاب: تعالوا سويا لننزل من الأبراج.