ثبت بما لا شك فيه تحقق وجوه شبه كثيرة بين الثعالب ومن نعرف من آدميين، بغض النظر عن كونهم من أصحاب الياقات الزرقاء، أو البيضاء، وهذه الأوجه تتمثل في الجبن، والمكر، وهذه النوعيات من الثعالب الآدمية لا تصلح معها الطيبة
لست مؤمنا بمقولة علماء الإنسانيات، و(أرسطو) بالخصوص: الإنسان حيوان ناطق، أو الإنسان حيوان اجتماعي، فالإنسان مكرم بالنص القرآني الشريف.. كما أني لا أشجع تناول صورة واحدة، في مقالين متتابعين؛ فالأسبوع الماضي كتبت عن (الضِفدع)، وهذا الأسبوع عن (الثعلب)، وبصراحة لم أخطط لذلك؛ ولولا مكر بعضهم، ووجه الشبه الذي يجمعهم مع الحيوان الثاني، الذي أكتب عنه اليوم ما كتبت..
عن المكر، وخبث الثعالب وخداعها بالخصوص كتب الناثرون والشعراء، ومن أجمل المكتوب قصة (الحمامة والثعلب ومالك الحزين)، التي حكت لنا قصة حمامة نقلت عشها إلى رأس نخلة، فهددها الثعلب، وفكرت أن تعطيه صغارها، وشكت لمالك الحزين، فأعطاها حلا، فانتقم الثعلب منه، بمكيدة وخديعة، وانقض عليه، والقصة ممتعة، ويجدها المهتم بها في كتاب (كليلة ودمنة)، الذي ترجمه عبدالله بن المقفع، وأضاف إليه من الحكايات التي تدور على ألسنة الحيوانات، وبث فيه آراءه السياسية، التي كانت أحد الأسباب المباشرة لنهايته الأليمة، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره.. والذاكرة لا تستطيع إغفال أبيات شوقي: برز الثعلب يومًا * في شعار الواعظينا، التي ختمها بقوله: مخطئ من ظن يومـــــا أن للثعلب دينا، كما أنه لا يمكن نسيان تلك القصص الجميلة المشهورة، التي قرأناها في مرحلة الطفولة، عن نفس هذا الحيوان، ومن تلك القصص (الثعلب والبستاني)، و(الثعلب والكلب الأمين)، و(الثعلب المحتال والدجاجة الصغيرة الحمراء)، وغيرها من قصص تثبت أن الثعلب كما وصفه الدميري في كتابه (حياة الحيوان الكبرى 1/ 169): سبع، جبان، مستضعف، ذو مكر، وخديعة، لكنه لفرط الخبث والخديعة، يجري مع كبار السباع، ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت، وينفخ بطنه، ويرفع قوائمه حتى يُظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان، وثب عليه، وصاده، وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد..
في هذه الأيام، ووسط الأحداث المتلاحقة التي نمر بها، جنوبا وشمالا، ثبت بما لا شك فيه تحقق وجوه شبه كثيرة بين الثعالب، ومن نعرف من آدميين، بغض النظر عن كونهم من أصحاب الياقات الزرقاء، أو البيضاء، أو الوردية، كما يطلق عليهم في عالم المناصب، وهذه الأوجه تتمثل في الجبن، والضعف، والمكر، والخديعة، والمشي مع الكبار، والتماوت عند الحاجة، والروغان المستمر؛ وهذه النوعيات من الثعالب الآدمية لا تصلح معها الطيبة، ولا السماحة أبدا، فـ(حليمة) ـ كما يقال ـ من الصعب ألا تعود إلى عادتها القديمة، وليس من الحكمة إلا أن يتم التعامل معها وفق قواعد معينة، ومن أهمها عدم الطمأنينة إلى أي كلام معسول، فقديما قالوا، وما أخطؤوا: من مأمنه يؤتى الحذِر.