تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن معدل البطالة ظل في حدود 10% عاماً بعد عام. وأن المجتمع في معظمه لا يشارك في سوق العمل، بل تقتصر المشاركة على نسبة ضئيلة من المواطنين
هكذا يصور المسؤولون وزارة المالية: أشبه بشخصية الأب الذي تقدمت به السن والذي لا تزال محددات الضرورة لديه للصرف على أبنائه محددات ضيقة جدا، وهذا ما يجعله حديثهم الدائم، وموضوعهم الذي يعيدون إليه كل أخطائهم، وكل قصور يقعون فيه.
هذا المشهد يتبادر إلى الذهن، كلما اكتشفنا أن وزارة المالية تقف خلف كل الأعطال التنموية ، ففي مختلف الوزارات، وحين تلتقي مسؤولا في أية وزارة كانت، وتسأله عن مشروع أو آخر، وعن سبب تعطيله وتنفيذه يأتي الجواب الجاهز والموحد: إنها وزارة المالية.
كان التصريح الأبرز هو ذلك الذي أدلى به سمو أمين مدينة الرياض الأمير عبدالعزيز بن عياف وهو الكفاءة الوطنية المعروفة بدأبها الدائم للعمل والإنجاز والتطوير ليضع الجميع أمام دهشة واسعة جدا، مفادها أن ما تم صرفه لا يتجاوز خمس عشرة بالمئة من احتياجات الرياض لإنشاء شبكات لتصريف السيول، ولأن ذلك الحديث قد جاء في سياق توضيح سمو الأمين على خلفية ما شهدته العاصمة الرياض من سيول وتجمعات مائية نتيجة الأمطار التي هطلت عليها منذ أسبوعين، فقد كان أبرز ما جاء في حديثه كذلك أنه إذا ما استمر هذا الحال فالأمر سيؤول إلى كارثة. بمعنى أنه إذا ما استمر التقتير في يد المالية فسيؤدي ذلك إلى مزيد من الكوارث.
انقل المشهد إلى أية وزارة أخرى لديها أية مشكلة، وبخاصة تلك الوزارات الخدمية وابحث أبرز الأقطاب في مشكلتها، ستجد أن كل الأصابع تتجه إلى وزارة المالية، ومما هو مأثور لدى المسؤولين في مختلف الوزارات أنهم حينما يتجهون لطلب اعتمادات مالية لمشروعاتهم أصبحوا يقدمون أعلى وأكثر مما هم بحاجة إليه، لأنهم يدركون أنهم لن يحصلوا إلا على القليل، والجميع لا توجد لديهم مبررات واضحة لذلك.
في قضية مستويات المعلمين في وزارة التربية والتعليم كانت وزارة المالية طرفا أصيلا في القضية، في قضايا الأمانات والخدمات البلدية تحضر الوزارة بقوة، وفي المشروعات الصحية ومشروعات شق الطرق والخدمات العامة، وخدمات البنى التحتية تحضر وزارة المالية بكل قوة، وتمثل المبرر الأبرز لكل مسؤول حينما يوجه بتقصير أو إخلال في عمل هذه الوزارة أو تلك.
أبرز ما يميز وزارة المالية عن غيرها من الوزارات أنها ليست وزارة جماهيرية، بمعنى أنها لا تتعامل مع الجمهور مباشرة وإنما تتعامل مع الوزارات والمسؤولين في تلك الوزارات، وهو ما لا يجعل منها مادة يومية لشكاوى المواطنين أو تذمرهم، وهي نقطة كان بإمكان الوزارة أن تستغلها، على الأقل فهي مرتاحة من الضجيج الذي تعيشه بعض الوزارات. والمفارقة الكبرى أننا نقرأ ونشاهد ونتابع تلك المروعات التحديثية والتطويرية في مختلف الوزارات، بل ونتابع بعض الإنجازات واقعا، كما هو الحال في وزارات الإعلام والتعليم والصحة والعدل وغيرها، وبالمقابل فلا يعيش السعوديون أية تطلعات لمشروع تحديثي وتطويري في وزارة المالية، أو على الأقل لم تقم الوزارة بما يجعلهم يعيشون شيئا من تطلع إيجابي، بل لا تحضر وزارة المالية أصلا في أذهان الناس، ولا في الأخبار اليومية إلا كمبرر وسبب يقف خلف تراجع العمل في وزارة أو أو في جهة ما.
في الواقع فإن هذا الإجماع الذي تقول به مختلف الوزارات عما يحدث من إرباك لعملها بسبب أنظمة وزارة المالية لا يمكن أن يتم بمحض الصدفة، ولكنه يفتح الباب واسعا أمام حاجة وزارة المالية للحاق بركب التحديث والتطوير الذي تعيشه مختلف الوزارات، خاصة والجميع يدرك أنها هي المحرك الأساس لأعمالهم.
بالعودة إلى نظام المشتريات الحكومية وما فيه من دقة ومن تفصيل إيجابي في بعض الجوانب، نجد أنه لا يفرق بين وزارة وأخرى، ولا بين جهة وأخرى، ويمكن للجميع أن يتخيل حجم المفاجأة إذا علمنا أن البحث العلمي في الجامعات السعودية مثلا، يخضع لنظام المشتريات وهو النظام الذي يضم اثنين وعشرين فصلا، ومئة وخمسا وخمسين مادة، لا تفرق في تعاملها بين وزارة وأخرى، ولا بين جهة وأخرى، وهو ما يوقع النظام في أزمة أمام فعاليات كالبحث العلمي في الجامعات مثلا الذي لا يمكن أن يتم وأن ينفذ لا من خلال العروض والعطاءات ولا من خلال نظام الشراء المباشر، ولدى كثير من المسؤولين في الجامعات قصص ومعاناة واسعة في هذا الجانب، إضافة إلى ما يمثله من عثرة كبرى للبحث العلمي، وهو مثال يمكن أن تقاس عليه مختلف الجوانب التي لا يمكن أن تدار من خلال هذا النظام. والإصلاح الإداري الذي تعيشه المملكة الآن، ونظرا لمحورية وزارة المالية يجب أن يجعلها ذلك أكثر الوزارات سعيا لإخراج نفسها من أن تكون جزءا في كل معادلة يتأذى فيها الناس من تأخر مشروع أو تراجع خدمة ما، خاصة أن ما نعيشه من تحولات تنموية الآن يستلزم قطعا أن تخرج كل معادلاتنا التنموية من الحديث عن أسباب التراجع إلى البحث عن أسباب الانطلاق وعوامل الإنجاز.
إن طموحا إيجابيا يجب أن يخطر ببال الوزارة، وهو أن تمر أزمة في أي وزارة من الوزارات، وتتجه لشرح تلك الأزمة دون أن تذكر وزارة المالية، أو تُرجع إليها السبب.