التلميذ حين يخطئ يتعلم أن ما استخدمه أو كتبه أو ردده لا يسهم في الحل، وهو بذلك يصبح أقرب إلى إيجاد ما قد يسهم في الحل فيبدأ بالبحث والتجريب من جديد
اليوم سأتحدث عن اللغة أو الكلمات التي نستخدمها مقابل الأخطاء لدى التلاميذ. إن تعاملنا معهم وكيفية مساعدتهم على تخطي الصعوبات أو التحديات التي تواجههم لهما تأثير قوي على مسيرة التعلم لديهم. كل كلمة، كل تصرف، كل تعبير على الوجه يمكن أن يكون عامل بناء أو عامل هدم. كل لحظة احتكاك لها أهميتها، وبناء على ذلك كل ما يقوم به المعلم يحسب له أو عليه، وهنا من واجبنا كتربويين أن نرجع إلى مخزون الخبرات لدينا؛ ناجحة كانت أم فاشلة، في التعامل مع التلاميذ، ولن تتم الاستفادة إن لم نكن من الذين يراجعون ويحاسبون أنفسهم عند انتهاء كل يوم دراسي، وحين نجد أن لدينا قصورا أو تساؤلا ما نتجه إلى الزملاء ممن لديهم خبرة ونطلب المساعدة، ليس هذا فقط بل نرجع إلى الكتب والمراجع أو المقاطع التربوية المنتشرة على اليوتيوب، فالتعلم للتربويين رحلة لا تنتهي.
يجب أن نغير نظرتنا ونأخذ الأخطاء على أنها ليست فشلا بل تعلماً قيد التنفيذ، فالتلميذ حين يخطئ يتعلم أن ما استخدمه أو كتبه أو ردده لا يسهم في الحل، وهو بذلك يصبح أقرب إلى إيجاد ما قد يسهم في الحل، فيبدأ بالبحث والتجريب من جديد ولكن هذه المرة من زاوية أو طريقة أخرى. وهنا بدلا من أن نركز تفكير التلميذ على الدرجة أو المستوى نحول الانتباه لديه إلى التجريب والمحاولة والخطأ.
والتحدي الأكبر بالنسبة لنا أن نمسك أنفسنا من وضع كلمة راسب أو أي رمز آخر يشير إليها من درجة أو نسبة أو ما شابه، بل نستطيع أن نستعيض عنها بكلمات مثل قيد التعلم، في مرحلة المحاولة، أو برعم واعد. وليس هذا فقط بل يجب أن يكون ذلك عن اقتناع منا وإلا لن تصل الرسالة، كيف؟ عندما أخبر أحدهم بأنني معجبة بعمله، ولكن بنفس الوقت كل شيء في لغة الجسد يشير إلى عكس ذلك سوف يأخذ كل الرسائل السلبية ويتعدى ما تلفظت به، وبالتالي سوف يفقد الثقة بما أقدمه، وهنا أكون قد خسرت وعليّ العمل على بناء الثقة من جديد.
المهم هنا أن ندرك أن التلميذ لا يتعلم إلا من الخطأ، ولكن عدد التكرار يعتمد على الفروقات الفردية. إن تعاملت مع دفعة تستطيع إجراء عمليات حسابية معقدة أو القراءة في مستوى أعلى من المقرر في المنهج، فهذا يعني أنك يجب أن تجد لهم المادة التي تناسب هذا المستوى بما تحتويه من تحديات تدفعهم للتعلم؛ بمعنى نريد لهم أن يكونوا في المستوى حيث يخطئون حتى يتمكنوا من التعلم والتقدم إلى المستوى الذي يليه.
حين يقول لك تلميذ إنه لا يستطيع، هنا لا تريده أن يؤمن بأنه غير قادر وبذلك يبدأ ببناء جدار يصعب عليك تخطيه حتى تتمكن من أن تساعده على أن يكرر المحاولة، ما يجب القيام به هو أن تتدخل سريعا وتضيف إلى ما قاله بضع كلمات تبعث الأمل والتحدي بداخله مثل: إلى الآن، انتظر وسترى، ليس بعد ولكن فيما بعد نعم تستطيع. وهكذا ندربه على استمداد الدعم من الداخل ببث الرسائل الإيجابية لنفسه وحثها على التكرار مع تقبل الخطأ على أنه ليس سوى مرحلة تقربه من مرحلة التمكن.
عندما كنت أجد أن بعض الطالبات لدي يواجهن صعوبة في تنفيذ متطلب للمادة، أو القيام بمهارة ما في اللغة الإنجليزية، غالبا ما كنت أردد عليهم: لم نولد من بطون أمهاتنا نتحدث اللغات! حتى لغتنا أخذت معنا سنوات من الإصغاء والتعلم حتى وصلنا إلى مرحلة التواصل والاستخدام، لم نتعلم التحدث أو القراءة أو الكتابة في يوم واحد، إذاً كل شيء يأخذ وقتا، والوقت هو ملكنا فلنستخدمه ولنستغل كل دقيقة في المحاولة بدلا من أن نتوقف ونحكم بأن هذا صعب وذاك معقد. كل ما عليك كمعلم هو أن تساعدهم على التفكير بمهارة يستطيعون القيام بها، ومن ثم تذكر الأخطاء المضحكة التي قاموا بها، وكيف أنهم تعلموا من بعدها، رحلة سريعة داخل الذاكرة تجعلهم يطلعون على خبرات الغير وتؤكد لهم بأنهم ليسوا وحدهم بل هنالك من مر بنفس الخطوات التي ربما كانت محرجة ولكن في النهاية تم التعلم، المهم هنا ألا تنسى أن تبدأ بنفسك وتسرد عليهم خبرتك، ولا أعتقد أنا بيننا من لم تمر عليه لحظات حرجة أو مضحكة خلال تعلم مهارة جديدة لأول مرة.
الخلاصة هي أن نقدم لهم الدعم من خلال اللغة؛ أي الكلمات أو الحوارات الإيجابية، أن ندخلهم إلى عالم التفكير بعيدا عن كلما قد يعترض ذلك من خوف أو شك أو خيبة بعد فشل، أي نعمل على خلق بيئة قابلة أو متقبلة للخطأ، فلقد أثبتت الدراسات أن الأخطاء وليست الإجابات الصحيحة من يساعد الدماغ على النمو، لنشجعهم على التفكير بصوت عال ولنصغ ونحاور، لنحثهم على أن يجربوا احتمالات متعددة، فبعض الإجابات مثيرة للاهتمام بالرغم من أنها خاطئة لأنها تفتح طرقا جديدة للبحث والتقصي، المهم أنهم خلال كل ذلك يمارسون التفكير ويستمرون بعد كل فشل حتى يتم التعلم ويتمكنوا من المهارة أو المعلومة، وفي النهاية نجد أننا أيضا نؤهلهم لكي يكونوا متعلمين لمدى الحياة؛ في بحث دائم عن المعلومة وتطوير المهارة للنمو والتقدم في مجال العمل فيما بعد.