تمكين المرأة سيظل شعاراً أجوف، وهدفاً بعيد المنال إذا لم تصحبه إصلاحات متكاملة على المستوى المؤسسي والتشريعي والقانوني؛ ذي الصلة بتمكين المرأة وتجسيده على أرض الواقع
تهدف السياسة السكانية في المملكة إلى الاستثمار الأمثل في الموارد السكانية، وذلك من خلال تنمية الموارد البشرية، ورفع إنتاجيتها، وتوسيع خياراتها في اكتساب المعارف والمهارات والخبرات؛ بما يؤدي إلى رفع المستوى المعيشي، وتحسين نوعية الحياة لجميع فئات المجتمع، بما فيها تيسير حصول المواطنين على السكن الملائم والوظيفة الملائمة وفق مشاريع وبرامج وخيارات متنوعة تلبي الطلب.
وتبعاً لذلك فإن السياسة السكانية تهتم بزيادة إسهام القوى العاملة الوطنية في القطاعات التنموية، والاهتمام بتأهيلها وتدريبها لتحسين إنتاجيتها، وتوفير فرص العمل الملائمة والكافية للعمالة الوطنية سعيًا نحو توطين العمالة والحد من البطالة، ويتضمن ذلك؛ الاهتمام بتمكين المرأة وزيادة إسهامها في مجالات التنمية المختلفة؛ وزيادة مساهمات المجتمع المدني في جهود تطوير مشاركة المرأة في التنمية؛ وتطوير المشاركة الفاعلة للمرأة السعودية في النهضة التنموية للمملكة وتعزيز هذه المشاركة.
وإن الاهتمام بتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعياً وإداريًا، يمتد ليشمل جميع ما يتصل بشؤون المرأة والمجتمع الذي تنتمي إليه؛ وذلك من خلال تطوير قدراتها وتوسيع الخيارات المتاحة أمامها سواء في التخصصات المختلفة في التعليم العالي (الجامعي والتقني) وتنويعها؛ أو في مجالات الحياة الأخرى سواء الاقتصادية والاجتماعية أو الإدارية والقيادية، ويتطلب ذلك تمكين المرأة تطوير الخدمات المساندة والتسهيلات التي تسهم في قيام المرأة بالتزاماتها ومسؤولياتها العملية، وإزالة المعوقات أمام مشاركتها في النشاطات التنموية والاقتصادية، والعمل على تنويع فرص العمل المتاحة لها، ومشاركتها في اللجان والهيئات والمجالس المتخصصة محليًا ودولياً، ودعم برامج الأمان الاجتماعي وأنشطته، وتطوير أنظمتها، وبرامج الحد من العنف الأسري وأنشطته.
وحتى يتم تحقيق تلك الغايات والأهداف ذات الصلة بتمكين المرأة كما نجدها مسجلة في خطط التنمية؛ لا بد وأن تكون هناك سياسات أخرى تتواءم مع تلك الغايات الطموحة الهادفة لتمكين المرأة، وذلك يتضمن الإجراءات والتشريعات والقوانين التي تنظم عملية التمكين، وتؤطرها في النطاق المستهدف سواء في القطاع الحكومي الرسمي أو المجتمعي والخاص؛ وبما ييسر ويخدم عملية التمكين ويعمل على تجسيدها فعلياً على أرض الواقع حتى لا تكون شعاراً أجوف من محتواه؛ ومن جهة أخرى لابد وأن تؤخذ في الاعتبار كافة المعوقات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، التي قد تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة والغايات المقصودة من التفعيل لتمكين المرأة، بحيث تشملها سياسات مناظرة في جميع القطاعات التي قد تتصل بصورة أو بأخرى بمعوقات تمكين المرأة، ولا بد أن تحكم ذلك عملية متابعة وتقييم لمستوى الإنجاز المستهدف ومدى تحقيقه للغايات المقصودة.
ولكي يمكن تحقيق تمكين المرأة وزيادة فاعليتها في المسيرة التنموية للوطن؛ بل ولزيادة مساهمتها في المشاركة في قوة العمل المواطنة والتي لا تتعدى (16.40%) من جملة المشتغلين في قوة العمل السعودية، وتخفيض نسب البطالة للإناث السعوديات والتي تصل إلى (64,40%) من جملة المتعطلين السعوديين، بل وتشكل الإناث الحاصلات على مؤهل بكالوريوس نسبة (82.53%) من جملة العاطلين السعوديين لذلك المؤهل العلمي، بينما تشكل العاطلات من مؤهل بكالوريوس نسبة (45.87%) من جملة المتعطلين السعوديين في جميع المؤهلات العلمية بمن فيهم الأميون، وذلك وفق بيانات الإحصاءات العامة الرسمية لعام 2015؛ وتبعاً لذلك وأهميته لا بد أن نستعرض بعض المعوقات التي تحد من تمكين المرأة وتحول دون زيادة نسبة مساهمتها في قوة العمل المواطنة؛ وهي:
1 -عدم تفعيل الأنظمة والتشريعات ذات الصلة بتمكين المرأة في جميع القطاعات الرسمية والخاصة، ومتابعة تنفيذها وتطويرها حسب متطلبات التنمية؛ مثل تيسير تواجد المرأة كموظفة ومُراجِعة في كافة المؤسسات الرسمية والخاصة؛ تيسير إجازات الأمومة والأبوة كما هو متبع دولياً وبالأجر المجزي.
2 -عدم توفير سبل مواصلات عامة مُيسرة وآمنة ومحدودة التكاليف؛ تُمكّن المرأة من الانخراط في مجالات الحياة العملية والعلمية؛ بما يُمكِن البعض بالقبول بوظائف محدودة الأجر عند انخفاض تكاليف المواصلات، حيث إن الكثيرات من ذوات المؤهلات البسيطة أو المستجدات على الوظيفة، لا يمكنهن قبول الانخراط في العمل وإن توفر -على ندرته- عند إجراء معادلة حسابية للتكاليف المترتبة.
3 -عدم وجود تشريع يُلزم؛ بأن يكون قرار تعليم وعمل المرأة ومساهمتها أو مشاركاتها المجتمعية وغيرها مرهون بموافقتها الشخصية؛ طالما بلغت السن المناسب لأهليتها ومسؤوليتها (ويمكن تحديد ذلك).
4 -محدودية فرص العمل المناسبة للمرأة؛ إلى جانب عدم تهيئة بيئة العمل الآمنة والمناسبة في جميع القطاعات الرسمية والخاصة؛ حيث إن المرأة السعودية أثبتت جدارتها في جميع التخصصات العلمية المتاحة، بل وتفوقت على الرجل، ولكنها ظلت طاقة معطلة وبنسب كبيرة؛ لعدم إتاحة فرص العمل لها في جميع القطاعات؛ وظلت محصورة في قطاعات محدودة جداً، لا تتناسب مع حجم الإناث المتعلمات الحاصلات على مؤهلات متوسطة وعالية تمكّنهن من المساهمة في التنمية.
5 -قصور في كافة البرامج والإجراءات والمنشآت الداعمة لتيسير عمل المرأة، مثل الإلزام والدعم في إنشاء دور الحضانات والروضات المتميزة في القطاعات المختلفة؛ تيسير سبل الحصول على أيدٍ عاملة خدمية للمنازل بتكاليف محدودة وبطرق ووسائل مختلفة نظامية وآمنة، سواء كانت للخدمة المؤقتة لساعات محدودة أو لفترات طويلة شهرية أو سنوية؛ تيسير وتأمين سبل الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض في كافة المنشآت المتاحة لها ولأطفالها.
وقد أكدت دراسة علمية للكاتبة أهمية أخذ جميع تلك المعوقات في الاعتبار، عند وضع سياسات سكانية خاصة بتمكين المرأة، وذلك يدعو إلى وضع سياسات مناظرة لها في جميع المجالات المساندة والداعمة لها بما يسهم، بل ويِؤكد عملية تحقيق تلك الغايات والأهداف المستهدفة في السياسات السكانية جميعها؛ ومنها تمكين المرأة ورفع نسبة مساهمتها في قوة العمل وزيادة مشاركتها الفاعلة في مسيرة التنمية البشرية بصفة خاصة، والتنمية الوطنية بصفة عامة.
إن تمكين المرأة سيظل شعاراً أجوف، وهدفاً بعيد المنال إذا لم تصحبه إصلاحات متكاملة على المستوى المؤسسي والتشريعي والقانوني؛ ذي الصلة بتمكين المرأة وتجسيده على أرض الواقع، مع استيعاب لكافة العقبات والقيود التي تحول دون مشاركة المرأة في سوق العمل أو تحد منها