قد يحتمل الإنسان أن يُقتطع من راتبه ما يقتطع. يجد لنقص المال ما يبرره، ويستطيع تعويضه بعمل آخر أو خطط توفير، لكنه لا يحتمل أن يستخف بجهوده، ولا أن يُنتقص من عطائه
في البدء قد لا يناسب هذا المقال من يتحسس من المواضيع التي تتخذ صبغة جندرية تجاه المرأة بالذات، ويصنفها تحت بند النسوية التي يقاومها كنوع من المثاقفة الحديثة، كما أنه قد لا يناسب المنطقيين الذين يصنفون كل ما لا يتفق مع قياساتهم الدقيقة بأنه محض عاطفة، والأهم أنه لا يناسب وزراء الـ show off الذين يسقطون أمام أول ظهور علني أو مكاشفة أريد لها غير ما ظهر، ولا يتناسب بالضرورة مع مقاييسهم الأفلاطونية.
حينما تضع حياة امرأة سعودية موظفة تحت المجهر لمدة 24 ساعة فإنك ستحار هل تبدأ الفحص والتدقيق من ساعات الصباح الباكرة في حياتها أو متأخرا في المساء، وهل تختار سيدة من شريحة اجتماعية مرفهة أو كادحة، من مدن رئيسية أو أخرى هادئة وصغيرة أو ربما من قرية منسية في أقصى الشمال أو الجنوب. وما الوظيفة التي نعنيها هنا؟ مهندسة؟ طبيبة؟ أم معلمة!؟ بالمجمل السيدة المعنية ستكون كل أولئك، تحمل ملامح كل المناطق، وإصرار كل البدايات المتعثرة، وعطاء كل النوايا الطيبة التي تهش بها على مواجعها وتعبها. ولأن أكثر الموظفات في وطني معلمات؛ فستكون هنا معلمة في مخيال المقال المفترض، ولك عزيزي القارئ أن تُسقطها على أي امرأة تركض خلف رزقها في حياة ممتدة على رقعة أرض اسمها السعودية.
سيدتنا الموظفة هنا تنهض قبل موعد استيقاظ أسرتها بساعة على الأقل، رغم أنها تنام بعد نومهم جميعا، هذا الاستيقاظ ليس لأجل أن تنعم بمصافحة صبا الفجر المنعش برفقة فنجان قهوة، بل لتوقظ هذا وتلبس هذا وتسرح شعر تلك، وتعد فطور أولئك، تجهزهم لمدارسهم وتدفعهم للحياة محفوفين بدعواتها وأملها وأورادها. هي حتى الآن لم تبدأ فعليا وظيفتها التي لها رقم خاص في سجلات وزارتها، وتأخذ مقابلها مبلغا ماديا كل شهر تتقاسمه معها المصارف والمقربون، بل إنها تباشر وظيفة أبدية في حياتها ارتضتها وتقدمها بكل حب وعطاء ونكران ذات. تقف بعدها، وربما قبلها بوقت طويل إن كانت تعمل في مكان ناء، تنتظر السائق الذي سيقلها إلى مقر عملها في سباق مع الخط الأحمر. تلتحق بصفوف الطالبات تحمل ما أعدته مسبقا من أدوات، تنظم الصف هذا وذاك، وتشرف على الإذاعة المدرسية التي تحاول فيها أن تقاوم تثاؤب الصباح على وجوه الصغيرات، تتابعهن حتى ينتظمن داخل الصفوف، وتنتظر نصيبها من العطاء الذي تقدمه أيضا طوعا ومحبة. لا تعلم والساعات تطوي حصص اليوم الدراسي كيف تستطيع الانتقال من عمل لآخر دون أن تعرض نفسها لمساءلة أو لفت نظر لم يطقه الشتات الذي يجذبها من كل جانب. تولي الدروس التي تشرحها للطالبات الاهتمام الأكبر وتسخّر لها ما تستطيع من أدوات خاصة من مالها الخاص حتى تصل لهن المعلومة سهلة سلسة.
تجمع في نهاية الدرس الدفاتر والأوراق والكتب لتتابع وتقوم وتصحح.. تختبر وتقيّم، تدخل البيانات والدرجات. تقف مكان زميلاتها الغائبات في حصص انتظار، وتعمل يوما واحدا على الأقل في كل شهر مع كل ما سبق وما خفي كحارس أمن، تتابع دخول وانصراف الطالبات، وتفرض النظام بينهن وتنتظر حتى آخر طالبة تعود لمنزلها سالمة ولو في وقت متأخر من نهاية اليوم الدراسي. تسهم بنشاط في أعمال لا منهجية وأنشطة خارجية. يتكرر هذا الروتين في حياة المعلمة كل يوم مع اختلاف في بعض التفاصيل التي تزيد أو تنقص، وتبذل في سبيل حصولها على معاشها كاملا الجهد الكثير ولو على حساب صحتها أو صحة طفل لها اضطرت لمغادرته في رعاية أخرى لتقوم بدورها التعليمي والتربوي في حياة طفلة أو مراهقة في مدرسة ما.
يعلن جرس المدرسة انتهاء العمل هناك، وتقرع ساعة أخرى لديها في عمل آخر لهذه الموظفة في منزلها الذي انطلقت منه صباحا: وجبة الغداء، ملابس اليوم التالي للعمل للزوج والأبناء، الدراسة مع الأبناء، الواجبات الاجتماعية، الحياة الزوجية الخاصة.. إلخ لا أحد منهم يريد أن ينقص من حقه شيئا، ولا أحد يقبل أن يقل الأداء الذي تقدمه عن الكمال أو شبهه. بالمنزل تؤدي عملا بساعات دوام كاملة لا تستقطع منها شيئا إلا وقت نومها وانفرادها القليل بنفسها دون أن تحصل على مقابل مادي شهري -وأجزم أنها لا تفكر في هذا- وفي العمل تؤدي عملها كاملا أو سيخصم منه ما يخصم، مع النصيب الذي تتحصل عليه من الانتقاد وإظهار نقاط ضعف ونقص في زيارة عابرة لمشرفة مسؤولة أو مديرة غير منصفة.
تركض الموظفة دون أن تشعر بآلة الزمن وهي تسحقها، وإن شعرت فإن رضاها عن ذاتها وما تحققه من نجاح وتميز في منزلها وعملها، وما تحارب من أجل أن يكون كاملا وهو يعبر بها ينسيها كل ذلك التعب اللاهث، وكل ذلك الإنكار الذي يلغي ما قدمته. تناضل في سبيل ما تحلم ولو كان في نظر البعض تافها، غير مجدٍ، ولا ضرورة منه. تحتمل من يلغي وجودها بقرار أو فكرة سواء كان قيادة متغطرسة، أو ولي أمر مسيطر، أو عائلة لاهية بمصالحها أو مجتمع يقف ضدها في كل منعطف، وتمضي في طريقها يمينها الحب ويسارها العطاء اللامشروط.
وبعد: تنهض هذه الموظفة في عجلة يوم جديد وهي تجد تجمعا افتراضيا يقرر نيابة عنها أولوياتها، ويتحدث بعيدا عن واقعها بأنها سبب فشل التعليم، وضياع الأجيال، وتهدم الأسر. تجد من يصفها بالكسل ويقول إن ساعات إنتاجها (في العمل دون المنزل) لا تصل إلا ساعة واحدة. تفاجأ بأن قياس كل ما تقدم يصبح ماديا، آليا بشعا، متجاهلا أن هذا المجتمع يقوم على أكتاف امرأة، وتذود عنه امرأة ولو كانت ربة منزل كسولة!
قد يحتمل الإنسان أن يُقتطع من راتبه ما يقتطع، يجد لنقص المال ما يبرره، ويستطيع تعويضه بعمل آخر أو خطط توفير، لكنه -ذكرا كان أو أنثى- لا يحتمل أن يستخف بجهوده، ولا أن ينتقص من عطائه، ولن يغفر أن تسلب منه أحلامه، خاصة من أولئك الذين يفترض منهم الإنصاف والتقدير لا الإجحاف والتقصير.