للقضاء على مشكلة التأخير في تنفيذ المشروعات وتدني مستوى جودتها لا بد من الاختيار الأمثل لمن يقوم بالتنفيذ ممن له سمعة جيدة في مشروعات سابقة، وأن تتم المتابعة بشكل مستمر من قبل الجهات المسؤولة عن الإشراف والمتابعة

شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات القليلة الماضية، وتشهد في الوقت الحاضر تنفيذ العديد من المشروعات التنموية الحيوية في مختلف المناطق، وشملت هذه المشروعات مختلف القطاعات الحكومية فمنها المشروعات الصحية، والبلدية، والتعليمية, والاجتماعية, والخدمية، وغيرها، ومن يتجول في أي مدينة، أو محافظة يشاهد بعض هذه المشروعات في مراحل مختلفة من التنفيذ؛ إلا أن بعضها يتوقف لمدة من الزمن عن التنفيذ، أو يتأخر عن التسليم في الوقت المحدد في العقد، ويؤكد ذلك ما يتردد في بعض الصحف، والمنتديات، أو المجالس عن تأخر هذه المشروعات وتدني مستوى جودة تنفيذها, وهنا تبرز عدة أسئلة حول هذا الموضوع من أهمها: من المسؤول عن تأخر تنفيذ هذه المشروعات؟ وما الجهة المسؤولة عن مراقبة مستوى تنفيذ هذه المشروعات؟ ومسؤولية تأخر هذه المشروعات مشتركة بين الجهة المسؤولة التي طرحت هذا المشروع للتنفيذ وبين المقاول المنفذ لهذا المشروع ؛ فكثير من الجهات المسؤولة عن التخطيط في القطاعات المختلفة تطرح مشروعات ثم التخطيط لها قبل سنوات عديدة، ولم يتم تحديث مواصفات هذا المشروع بناء على الاحتياج الحالي، ولم تتم مراعاة الاحتياج المستقبلي له، بل يتم طرح المشروع بمواصفات تم تحديدها في أعوم سابقة، أو بناء على الاحتياج الحالي فقط دون النظر في الاحتياج المستقبلي، أو معرفة، ودراسة العوامل المحيطة بالمشروع من كافة جوانبه، وهنا أرى أن التخطيط لمثل هذه المشروعات لا بد أن يمر بمراحل تتضمن دراسة الجدوى لهذا المشروع، وأن تكون مواصفات هذه المشروعات مطابقة للمواصفات العالمية لمثل هذه المشروعات، ومراعاة العوامل المحيطة به, والاحتياجات المستقبلية لسنوات عديدة، وهذا من مسؤوليات الجهات التي تقدم هذه المشروعات للتنفيذ.
وعندما يحسن اختيار المقاول الذي سيتولى التنفيذ؛ فإن ذلك بمثابة عامل رئيس في نجاح تنفيذ المشروع، وبمواصفات عالية، وفي الوقت المحدد، ولكن مع الأسف أن كثيراً من هذه المشروعات تتم ترسيتها على مقاولين غير مؤهلين حتى وإن حصلوا على التصنيف المطلوب لمثل هذه المشروعات؛ حيث تتم ترسية المشروع على الجهات المتقدمة بأقل العروض، ولنا أن نتوقع حال هذه المشروعات بعد ذلك.
العامل الآخر الذي يسهم في تأخر وتدني مستوى تنفيذ هذه المشروعات يتمثل في أن من يقوم بالتنفيذ الفعلي للمشروعات ليس المقاول الذي تم توقيع العقد معه في أغلب الأوقات، حيث يتم توقيع عقد مع جهة ما، ومن الباطن توقع هذه الجهة عقودا مع مؤسسات، وشركات أخرى للتنفيذ، وبذلك فالمشروع الواحد قد يوقع له أكثر من ثلاثة، أو أربعة عقود من الباطن، والمنفذ الحقيقي يقوم بالتنفيذ وفق مبلغ أقل بكثير من المبلغ المحدد والمتفق عليه، وهذا يجعل المنفذ الحقيقي للمشروع غير مؤهل، ويأخذ وقتا في التنفيذ أطول من الوقت المحدد، وتكون المواد والتجهيزات من أقل الأنواع كفاءة بهدف التوفير، والخروج بمكاسب مالية من هذا المشروع، وفي هذا المجال أرى أنه من الضروري إلزام الجهة المنفذة (المقاول) الرئيس بتنفيذ المشروع، وعدم التخلي عنه بعقود من الباطن، ومتابعة ذلك من قبل إدارات المشروعات، وإدارات المتابعة في الجهات المستفيدة بصفة مستمرة.
العامل الآخر المسؤول عن تأخر هذه المشروعات هو غياب الجهات الرقابية عن متابعة هذه المشروعات، وعدم قيامها بدورها المنوط بها، فكل إدارة، أو جهة لديها إدارة للمشروعات، وإدارة للمتابعة، وتعيّن جهات للإشراف على تنفيذ هذه المشروعات، ولكن هذه الإدارات موجودة في الهيكل التنظيمي، وغائبة عن الواقع الميداني لهذه المشروعات، وقد أجزم بأن بعض هذه الإدارات لم تقف على مشروعاتها منذ البداية حتى النهاية – إذا كان هناك نهاية حقيقية لها - ولذلك يقوم المقاول بالتنفيذ على أقل من مهلة، وبأقل المواد جودة ؛ لأن المراقب غير موجود؛ وحتى وإن كان المراقب الرئيس والأهم موجودا وهو الله سبحانه وتعالى.
إن أقرب مثال على المشروعات الحيوية المتعثرة هو ما حدث لنفق خميس مشيط الذي تمت ترسيته على مقاول غير قادر على التنفيذ بالرغم من تأخيره في تنفيذ مشروعات أخرى سابقة تمت ترسيتها على المقاول نفسه مثل جسر شارع الستين الذي أخذ تنفيذه وقتا طويلا، ويرمي كل طرف مسؤولية تأخر التنفيذ على الآخر؛ فالمقاول يقول إن بلدية خميس مشيط هي المسؤولة، والبلدية ترمي الكرة في مرمى المقاول، وهنا أرى أن المسؤولية مشتركة فالبلدية مسؤولة عن متابعة تنفيذ المشروع، ومحاسبة المقاول عن التنفيذ، والمقاول هو المسؤول عن التعرف على المشروع، ودراسة المواقع من كافة الجوانب، ومعرفة أبعادها المختلفة قبل شراء كراسة المواصفات، والدخول في المنافسة.
للقضاء على مشكلة التأخير في تنفيذ المشروعات وتدني مستوى جودتها لابد من الاختيار الأمثل لمن يقوم بالتنفيذ ممن له سمعة جيدة في مشروعات سابقة، وأن تتم المتابعة بشكل مستمر من قبل الجهات المسؤولة عن الإشراف والمتابعة، ومعاقبة المخالف حسب الشروط والبنود المحددة لذلك، كما أن المقاول الذي يتمادى في تنفيذ أي مشروع يتم توقيف نشاطاته، وعدم السماح له بالمشاركة في أي مجال آخر بعد ثبات عدم نجاحه في مشروع سابق، وهناك حاجة لأن تكون مشروعاتنا وفق معايير ومواصفات عالية لكي نضمن جودة التنفيذ، ولا بد أن يكون التخطيط لهذه المشروعات للحاضر والمستقبل بدلا من تنفيذ المشروعات التي تم التخطيط لها في أعوام ماضية.