عندما تخرجت من كلية التربية كانت آخر دفعة تعينت مضى عليها 10 سنوات على الأقل. كان البترول يباع بـ9 دولارات والبلد لا يزال يسدد ثمن حرب الخليج، لكن مفاجأة صغيرة من وزارة التعليم حملت مفاجأة لجميع خريجي الجامعات ممن يحمل ثانوية تحفيظ القرآن لأجد نفسي معينة على بند 105 لكن في جدة.
تعين من دفعتي اثنتان بسبب ثانوية التحفيظ، وبقيت باقي الدفعة التي تجاوزت 100 طالبة بلا تعيين. بقي للطالبات أمل صغير يتمثل في الإعادة، وتقدمت كل الطالبات لها الأوائل على الكلية وغير الأوائل. كنت أتابع هذه المنافسة من مكان عملي مع أمنيات أن تنال المعيدية واحدة من اثنتين متميزتين راوية جابر أو أسماء الجهني، لكن المعيدية ذهبت لاسم مفاجئ جداً للجميع ليست من المتفوقات لكنها قريبة مسؤول كبير!
شعرت حقيقة بالأسف على كل الرائعات اللواتي سلبن هذا المكان ظلما. مرت أعوام قليلة كنت كلما التقيت الزميلات المتفوقات يعدن هذه القصة أمامي حتى تقدمنا -من توظف ومن بقي عاطلا- لنيل درجة الماستر في جامعة أم القرى مع اختلاف التخصصات. الجميل أن الجامعة قبلتنا جميعاً ورفضت المعيدة قريبة المسؤول لأنها لم ترق إلى معايير الجامعة. يومها أبلغتني بالخبر زميلة وملامح انتصار تضيء في وجهها، قلت حينها إنه رد اعتبار لك، ولكل من شعر بالظلم من تعيينها.
كم شخص ممن يقرأ هذا المقال يتذكر أنه سلب حق له وتغير مستقبله وضاع جهده بسبب الواسطة التي قربت شخصا كان متكئا طوال دراسته، يراقب جيوش المنحنين على كتبهم في المكتبة أو سهارى يكتبون مشاريعهم أو يذاكرون اختباراتهم أو يقفون على أبواب الأساتذة يناقشون لماذا حصلوا على ممتاز وليس ممتاز جداً. كم واحد سخر من اجتهادهم وسرق ثمن عرقهم واحتل مكانهم لأنه قريب فلان أو ابن عم علان.
تقول الحكمة إنك إذا وضعت الضفدعة على القمة فستقفز الضفدعة في المستنقع، وهذا ما يحدث في معظم مؤسساتنا الحكومية والأهلية.
هل تعرف سبب كل هذه الشهادات الوهمية والقصائد المسروقة والجهود المدعاة ومناسبات الهياط؟ إنها نتاج طبيعي لوضع الأقل كفاءة. إنهم يحاولون إقناع العالم بأنهم جيدون ومناسبون وقادرون على صنع الفارق حتى بالأكاذيب.
إن جيلي الذي صمت على مضض أعقبه جيل تستولي عليه روح تجعله يبحث في الملفات ويخرج لك السيرة الذاتية لابن الوزير وعمره وأين تعين؟ هذه الروح أعتقد أنها ستجعل من يعتمد على الواسطة يفكر ألف مرة قبل أن يستولي على حق شاب سعودي بقائمة المسؤولين الذين يعرفهم وستجعل هؤلاء المسؤولين يفكرون ألف مرة قبل تخطي النظام.
لكن المشكلة لن تحل هكذا، بل لا بد من إصلاح النظام ومراقبته بحيث لا يقبل التخطي ولا يأمن المراقبة.
وليس ذلك لأنك لا تريد أن يغضب الشباب السعودي فقط، بل لأنك لا تريد أن تخسر عملك وتخسره هو وكفاءته لأجل مجموعة الضفادع التي ستقود مؤسستك إلى الخسارة، وتستنفد طاقة المنظمة والعاملين لديك لأنها لا تملك سوى مشاريع هياط لا تبارح الورق أو تصرف أموالك على خطط مثل زبد البحر أو السراب الذي يحسبه الظمآن ماء.