كنت في زيارة الإمارات العربية في 14 مايو 2010 م للمشاركة في مؤتمر الحداثة الإسلامية، وتعاقب على المنصة اثنا عشر من المتكلمين والمعقبين، تراوحت أطروحاتهم بين من يعيش عصر يوسف بن تاشفين، ومن شم رائحة الحداثة، ومن فتح كتب الفقه فنقل من هنا وهناك، ومن

كنت في زيارة الإمارات العربية في 14 مايو 2010 م للمشاركة في مؤتمر الحداثة الإسلامية، وتعاقب على المنصة اثنا عشر من المتكلمين والمعقبين، تراوحت أطروحاتهم بين من يعيش عصر يوسف بن تاشفين، ومن شم رائحة الحداثة، ومن فتح كتب الفقه فنقل من هنا وهناك، ومن خطط للرؤية المستقبلية، بل وتحدث من بدأ في ترتيب دورات التغيير لأكثر من 179 ألف طالب علم، على قاعدة الواحد بالمائة، أي النسبة التي جاءت في الحديث عن الفئة الحاملة لنواة التغيير الاجتماعي؛ تجدون الناس كأبل مائةٍ لاتكاد تجد فيها راحلة! وهو نفس المفهوم المكرر في قصة طالوت وجالوت في القرآن الكريم في فلترة المقاتلين لثلاث مرات.
جاءت الكلمات كلها في محاولة لإدخال هذا المفهوم الى الوعي، عسى أن يأخذ الشرعية والفاعلية.
من طرفي أنا ـ كما نشرت جريدة البيان الخليجية ـ أضع إشارة استفهام كبيرة حول جهود النهضة، وهل وصلت للمخرج والنور؟ أم مازالت تطن مثل الذبابة في زجاجة مفتوحة الفوهة؛ فلا تهتدي للخروج سبيلا، كما جاء في تعبير الفيلسوف فتجنشتاين؟
إنني كما يقول نيتشه لست المتشائم؛ فهي من مظاهر الانحطاط، ولست المتفائل؛ فهي من علامات السذاجة والسطحية، والطريق الصحيح بينهما قواما هو ولادة التفاؤل من رحم المعاناة. لذا فأنا أضع إشارة استفهام كبيرة حول المخرج إلى ضوء الحداثة، كما في تبديل البيوت بين قديم معتم غير صحي، وبيت حديث مضيء صحي، فيه الخدمات من نظافة ووضاءة، ومرافق صحية، ومطبخ تستمتع ربة البيت فيه بمزاولة مهامها وهي تعد الطعام لعائلتها.
أو بين مشفى قديم مهشم الأركان، تعبث فيه الفئران، وتعشش الجراثيم في غرف العمليات، وترتفع نسبة الانتانات فيموت الناس، وبين مشفى حديث نظيف بغرف عمليات عالية العزل والتعقيم، وشروط علاج شافية بإذن الله، ومخابر راقية، وأدوات تلمع من النظافة، محكمة المفاصل للاستخدام، يتمتع بها الجراح، وهو يرتق فتقا، ويوقف نزفا، ويخيط جلدا، ويثبت كسرا، ويفتح قناة بولية مسطومة، وشريانا انحشرت فيه الخثرة فلم تغادر.
كلمة حداثة وتحديث وعصر وتقدم وما شابه من هذه المصطلحات تثير الحساسية للبعض، ولا يفهمها معظم الناس، ويطبقها النادر.
يظهر ذلك في السلوك والتعامل، وسيارة الشخص، ومظهرهندامه، ونظافته من رائحة طيبة وقميص يشع أناقة، وبيته وتقسيمه، وأهم مافيه ركن الكتب والثقافة، وكيف يستخدم وقته؟ ويحاور خصمه؟ ويعامل زوجته؟ ويربي أولاده؟ هل بالاحتقار والدونية والصراخ؟ أم الاحترام والتوجيه والحب والتثقيف والرعاية الصحية وحسن التعليم بما فيها تعليم اللغات الأجنبية والانتباه للقاحات من بوليو وسل ودفتريا وكزاز..
أنا شخصيا أعترف للقارىء أنني حين بدأت رحلة التخصص، دخلت العصر في قمة العالم، فليس مثل الألمان في الدقة والنظام والوضوح ودأب العمل ومتابعة التطوير.
وكان حظي التعيس أنني أصررت على البدء في الرحلة أن أبقى في بلدي فلا أبرح، وكان ذلك في مشفى المواساة في دمشق، فيما عرف بنظام الدراسات العليا، الذي مازال يتابع بعرج، وصلت يومها إلى حافة اليأس تماما من تحصيل هذا الفن، وأن مكان التعرف عليه ليس في بلادنا، فهذا هو مفهوم الحداثة باختصار، أنه دخول العصر لمعرفة التقنيات الجديدة من الفنون والعلوم؛ من طب وهندسة وبيطرة وكمبيوتر وعلوم طبيعة وأنثروبولوجيا ولسانيات وفلسفة وكوسمولوجيا وعلم الأديان المقارن؛ فالإنتاج العلمي يولد هناك على مدار الساعة.
إن أمر التخصص والتحصيل العلمي ليس في الجراحة وليزك العيون ومناظير البطن، بل العلوم الإنسانية. لقد أخذ عالم الاجتماع العراقي الوردي شهادة الدكتوراة من أمريكا حول دراسته في منطق ابن خلدون.