وقبل ساعة من ركوبنا الطائرة المغادرة إلى واشنطن، كنت قد حصلت على ما يشبه الإجماع بأن أتولى إمارة الوفد المغادر إلى بوينغ. كان أول امتحان أمامي حين تقطعت بنا الركب في مطار واشنطن، وبدأ القوم ينفرون إلى سياتل زرافات ووحدانا على خطوط طيران عدة، وقد بلعتُ هذه الفرقة على أبرد من الثلج، ومن المؤكد أنني لا أستطيع السؤال عن فرد ولا عن رحلة أو شركة خوفاً من الشبهة العظمى ويا للهول: في مطار أميركي. استيقظت في سياتل مبكراً جداً فجر اليوم التالي لأكتشف أن حجم الرعايا قد تضاعف عدة مرات بالقادمين إلى الركب الميمون من مطارات أميركا المختلفة. لكنهم وللحق، لم يشقوا الإجماع الذي حصلت عليه في مطار الرياض، فيما عدا الأصوات النسائية النشاز التي لم تسكت طوال الرحلة عن مطلب إسقاط الولاية. وفي رحلة الباص الأولى إلى مصنع بوينغ خطبت في الركب تلك الملحمة العصماء مقترحا لقب والي مخلاف سياتل، فبارك الفكرة أهل الحل والعقد وعارضها من لا يعتد بحله وعقده. كان الامتحان الثاني الصعب: هل أضم سائق الباص، الأميركي العملاق الأشقر، إلى منظومة رعاياي تحت إغراء تعدد الأديان في المخلاف الباص لولا نباهة الأخت العزيزة، منى المنجومي، حين اقترحت بلغتها الجداوية اللذيذة: لا خلينا كدا أحسن، وبدري على فضيلة الوالي أن يتخذ له أسرى أو سبايا من هؤلاء الأقوام في عقر دارهم. وفي مصنع البوينغ، واجه الوالي أصعب امتحاناته وهو يشاهد افتتان رعاياه بهذه التقنية الهائلة بيد هؤلاء الكفرة، وذلك الوجوم المدهش على أوجه القوم وهم يشاهدون الطائرات العملاقة تتكاثر أجزاؤها حطيماً من اليمين وتخرج وليدة مكتملة على الباب اليسار. ولا شك أن الوالي يدرك بفطنته أن جل قومه لم يشاهدوا من قبل سوى الحسيل الذي يخرج حيا من جوف بقرة. هنا خاف الوالي على أمة الباص الخالدة من فتنة التغريب ومن إغراءات هذه الثقافة المادية الدخيلة. كنت أحاول إنهاء هذه الزيارة بأقصر ما يمكن، وكنت أيضا أطلب من مرشد الزيارة الأميركي، أن يأخذ من الأشياء بطرف، متعللا أمامه في الظاهر بصعوبة الاستيعاب على أمتي، بينما كنت في الباطن أخشى عليهم من عواقب التغريب وإرهاصات العولمة. خطبت فيهم ثانية في رحلة العودة محذرا من هذه الفتنة المحدقة، فلم أتوقف عن الحديث مطمئنا إلا بعد أن سمعت بعضهم يلعن هؤلاء القوم وبالطبع همسا كي لا يسمعنا سائق الباص الأميركي. وعدتهم في نهاية الخطبة بزيارة محلية لأحد مصانع التمور، حيث التمرة الواحدة لا تستغرق سوى أقل من 32 دقيقة من رأس النخلة حتى معدة المستهلك.
كان الوالي تحت ضغط رعاياه مطالبا بتعيين رؤساء بعض الدواوين، وللحق فقد قاومت هذه الطلبات بشدة كي تبقى سلطة الوالي مكتملة. لكنني تحت ضغط فارق التوقيت مضطر للنوم عند الثامنة مساء، ولهذا كلفت الصديق الغالي أبوالبراء أسعد الدوسي الزهراني رئيسا لديوان العسس، وكان يوافيني بأخبار الرعايا المسائية صباح كل يوم في جلسة مغلقة داخل ستاربكس المقابل لنزل الأمة. أصعب الامتحانات وأكثرها ألماً حين قال لي قائد الطائرة الخاصة أمام الرعية في رحلة العودة: هنا تنتهي حدود ولايتكم يا صاحب الفضيلة...... أنا أو أنت على الطائرة؟ تمنيت لو أنه قالها لي منفردا كي لا أسمع شماتة الوالي المخلوع من أفواههم في أطول رحلة جوية قطعتها في حياتي. عشت على الطائرة من سياتل إلى الرياض مشاعر وأحزان بعض رؤساء من كانوا على هذه البلاد العربية.