كثيرا ما أطرح على نفسي أسئلة كثيرة حول الكتابة ودلالة المعنى، ولماذا نكتب؟ في الواقع ظهرت الكتابة كجزء من بحث الإنسان الدائم لتوثيق شيء ما من تاريخه، لتتحول لاحقا إلى شغف تفوق على الخطب المنبرية أحيانا، لكن المشكلة تكمن في نوعية الخطاب المكتوب، وقدرته على إيصال رسالة ما إلى مستهدفين، أو بشكل عام إلى أقوام آخرين، وقد أخذت الكتابة أشكالا عدة على مر التاريخ البشري، بدأتها بصور تعبيرية لها مدلولاتها على الأشياء، ويعود تاريخ الكتابة إلى آلاف السنين، في الحضارة السومرية التي تقدر بـ5500 سنة كما تذكر بعض المراجع الآثارية، وعثر على بعضها في كهوف لاسكو بفرنسا تعود إلى 3500 سنة تقريبا، وأظهرت بعض الدراسات أن تطورا حدث عبر الزمن أدى إلى توسيع دائرة الرسوم ودلالاتها، وارتفاع أعدادها من منطقة إلى أخرى، وأخذت أسماء مختلفة كالمسمارية والهيروغليفية وغيرهما، لتأخذ أشكالها المتنامية، التي تظهر اليوم في مراتب متقدمة من الدلالة، وأظننا نعيش فترة جديدة من مراحل تغيير الكتابة ومفهومها، وهو ما يتضح من خلال استخدامات التقنية الحديثة، التي تؤكد أننا ننتقل على نحو ما، تحت ضغط التحولات التكنولوجية، التي تعيدنا إلى مرحلة الرسومات التعبيرية للكتابة.
غير أن المؤكد هو أن الكتابة كانت اختراعا بشريا عظيما، وضع الإنسان على طرق جديدة تاريخيا، مكنته من صنع وعي جديد، كإضافة ثقافية وتعليمية في مسيرته، جعلت مفاهيمه عن الأشياء تذهب إلى أماكن أكثر رحابة وأكثر قدرة على مستوى الإدراك ونقل المعلومة وماهيتها وكيفيتها، كأحد أهم مراحل الاستنارة الإنسانية، ولننتقل من مرحلة التساؤل حول كيف نكتب؟ إلى نقطة أعمق تتمثل في لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟
من وجهة نظري أرى أن الكتابة يجب ألا تخرج عن السبب الذي نشأت من أجله، والذي يهدف إلى نشر رسالة ما، بأبسط الطرق الممكنة، دون الحاجة إلى ابتكار مصطلحات معقدة، تتحدث إلى نفسها أكثر مما تنقل فكرة للآخر، إذ من المفترض أن تكون الكتابة وسيلة وليست غاية لتدرك طموحاتها، ويكفي أن تصل الفكرة التي تبحث عنها ككاتب إلى السواد الأعظم من الشارع، فتلك هي مسؤوليتك الأولى، وتلك هي مهمة الكتابة الرئيسة كوسيلة إيصال الرسالة عبر المحتوى.
وما لم تخرج الكتابة عن نمطيتها في تقديم نفسها إلى المتلقي فستبقى مجرد شكل تعبيري غير قادر على التأثير، أو تقديم نوع معين من التثقيف للشارع، فالكتابة التي لا تضع وتصنع بصمتها في محيطها ليست جديرة بالبقاء، فقد ملت المجتمعات من نقل التنظير المستمر منذ عقود، وأصبحت لا ترى الحاجة إلى مزيد منه، مع تحول مفهوم الكتابة ودلالاتها، فقد أنتج البحث الدائم عن الجديد صيغا مختلفة للكتابة، اختلفت من عصر إلى آخر تبعا لطريقة تطور المجتمعات التي تعبر عنها، وعلى الرغم من بقاء أهدافها الرئيسة، إلا أن الثقافة العربية عجزت حتى الآن في الخروج بنمط كتابة معبرة، ذات أبعاد فكرية لها تأثير أعمق في الوجدان العربي في كثير من محطاتها التاريخية، لتصنع نماذج فكرية مؤثرة على المستوى التطبيقي، مثلما فعلت كثير من اللغات الحية في العالم، وضمنت تلك اللغات على نحو ما بقاءها إلى عصور قادمة، وأظن أن أهم أسباب تأخر مستوى الوعي بالكتابة في الثقافة العربية، يعود إلى كونها علما وافدا إليها أكثر من كونها قيمة إنتاجية خاصة بها، شكلت وعيا كبيرا في مجتمعها، إذ العربية ثقافة روي أكثر من كونها ثقافة كتابة، لذلك نجد الإرث الكتابي لها ضعيفا مقارنة بإرث المرويات القولية، وأحد أهم الدلالات على ذلك يكمن في كثرة (العنعنة) الواردة في مضمون تدويناتها، والاعتماد في ذلك على النقل القولي، وما أكثر (قال فلان) في متونها، الأمر الذي يُضعف من مصداقية الكتابة الناقلة لها، لذا من المهم أن تنتقل الثقافة العربية من هذا المربع الذي يحاصرها منذ قرون خلت، وأن تتحرر من سلطة التنميط القديم، لتواكب المتغير الذي يفرضه التسارع الكبير للعالم، ثقافيا وفكريا من حولها، ولن يتم ذلك ما لم تتضافر مفاهيم اللغة مع الكتابة، لتفعل ذلك.