السلطة التشريعية ليست كيانا للمعارضة، بل هي اليد الأخرى للحكومة، فالسلطة التنفيذية تمارس العمل على أرض الواقع، والتشريعية تتولى التقويم والتوجيه وتحديد الخطوط العريضة

مرة أخرى يطوقني هذا البلد العظيم بتكريمه، ويتيح لي شرف خدمته في موقع جديد، فبعد أن بذلت خلال السنوات الماضية جهودا متواضعة لخدمته في مجال حقوق الإنسان، بحكم عضويتي في مجلس هيئة حقوق الإنسان ورئاستي للجنة حقوق الإنسان العربية، ها هي الفرصة تتاح لي مرة أخرى لتقديم ما بالوسع في المجال التشريعي، عبر نافذة مجلس الشورى.
ورغم غبطتي بالثقة الملكية الكريمة، التي ملأتني إحساسا بالفخر، إلا أن الهواجس والمخاوف تملكتني، بسبب عِظَم المسؤولية وأمانة التكليف، لاسيما أن أعمال المجلس ترتبط مباشرة بمصالح المواطنين وهمومهم وتطلعاتهم ورغبتهم في الحصول على مستقبل أفضل، فأن تكون صوتا معبرا عن أحلام الأطفال، وآمال الشباب، ومشاكل المرأة، ومعاناة المرضى، ومكلفا بإيصال أصواتهم للمسؤولين، والعمل على تحويل مطالبهم إلى واقع معاش، هو أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة. خليط من الفرح والتوجس انتابني، بعد أن تلقيت نبأ التكليف، ودارت في رأسي العديد من الأفكار. للوهلة الأولى شعرت بالفرح أن أكون من ضمن الذين تراهم القيادة الرشيدة أهلا لتولي هذه المسؤولية الكبيرة، وأن يظن بي ولاة الأمر خيرا، ولكن ما لبث الخوف أن تسلل إلى قلبي، فبلادنا شاسعة الأطراف، وسكانها بالملايين، وتطلعات قادتها وشعبها تلامس سقف السماء، فليس من السهل أن أكون ضمن المسؤولين عن كل هذا، وكيف أسامح نفسي إن شعرت يوما بأنني قصَّرت في أداء هذه المهام، لكني ما لبثت أن عقدت العزم على التوكل بالله، والاعتماد عليه والتوجه إليه سبحانه وتعالى في كل النوايا والأفعال.
راجعت مسيرة المجلس الموقر، منذ تكوينه في عهد الملك المؤسس، عبدالعزيز بن عبدالرحمن –يرحمه الله – في التاسع من محرم عام 1364، وحتى إعادة تشكيله على أسس جديدة، في عهد المغفور له الملك فهد، في 27 شعبان 1412، ورغم علمي السابق بطريقة عمله وسيرته وإنجازاته، إلا أن المراقب عن بعد كما يقولون ليس كمن يشارك ويعايش الواقع، فركزت على متابعة كافة المراحل التي مر بها المجلس، وتابعت مراحل تطوره، وقارنت إنجازاته بما أعلمه عن مجالس تشريعية مماثلة في بعض دولنا العربية، ووجدت أنه حقق العديد من القفزات التطويرية، وشهدت محطاته تحقيق الكثير من الإنجازات، التي ما كنا نستطيع الوصول إليها لولا توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم جهد أعضائه، الذين يدركون تماما ما تمتاز به بلادنا من خصائص مجتمعية فريدة،
ورغم العوائق التي واجهها في البداية، والصعوبات التي اعترضت طريقه، ربما بسبب عدم إدراك بعض أعضاء المجلس لمهامهم، وغياب الثقافة البرلمانية، لدرجة أن بعضهم كان يتبنى تحقيق مطالب وأهداف لم يرد ذكرها ضمن قائمة صلاحيات أعضاء المجلس، إلا أن تلك المظاهر سرعان ما بدأت في التلاشي، ووصل الأعضاء إلى مراحل من النضج مكنتهم من معرفة أدوارهم، كل ذلك في إطار الدوران الطبيعي لحركة التقدم والتطور. مما يمتاز به مجلس الشورى السعودي عدم وجود متلازمة التعارض مع السلطة التنفيذية لدى أعضائه، ففي بعض الدول العربية والآسيوية، يشعر كثير من النواب أن مهمتهم في الأصل تكمن في معاداة الوزراء وانتقاد قراراتهم والبحث عن مواطن إخفاقاتهم، والتربص بالأخطاء وتضخيمها، ويتصورون أن وجود أجواء توافقية يعني فشلهم في أداء مهامهم، وهذا مفهوم مظلم، لأن السلطة التشريعية ليست كيانا للمعارضة، بل هي اليد الأخرى للحكومة، فالسلطة التنفيذية، تمارس العمل على أرض الواقع، والتشريعية تتولى التقويم والتوجيه وتحديد الخطوط العريضة، وإذا لم تكتمل الصورة على هذا النهج، فإن الحكومات تكون عرضة للفشل والإخفاق.
كذلك اكتسب مجلس الشورى، الذي يتوافق في تكوينه وآلية عمله مع طبيعة مجتمعنا السعودي، وثقافة أبنائه، أهمية كبرى خلال الفترة الماضية من سنوات عمله، فقد أثبت أعضاء المجلس وقيادته حرصهم على التعبير عن رغبات الشعب، ومراقبة أداء الوزراء والمسؤولين، وصياغة القوانين، بما يكفل المصالح العامة، ويحقق الآمال المطلوبة. فالسلطة التشريعية في كل دول العالم لا تقل أهمية عن نظيرتها التنفيذية، فهي التي تعبِّر عن توجهات الرأي العام، إضافة إلى قيامها بدور الرقيب على مؤسسات الدولة وأجهزتها التنفيذية، وتقويم المعوج وتوجيه المخطئ ومعاقبة المقصِّر. ومما هدأ الهواجس في داخلي ثقتي التامة في أن قيادة المجلس سوف تسهِّل علي وبقية الزملاء والزميلات من الكوكبة الجديدة التي تتشرف للمرة الأولى بالعمل تحت قبة المجلس، وتساعد الأعضاء على أداء أعمالهم، بما تتمتع به من حكمة وروية ونظرة ثاقبة، ورغبة أصيلة في تطور أعمال هذا المجلس بشكل منهجي بما يسمح له أداء أدوار أكثر وصلاحيات أوسع تتسق في المجال مع تطور العمل الحكومي والفكر الإداري والرقابي على وجه الخصوص.
ويبقى العمل في المجلس الموقر تجربة جديدة، سنخوضها بكل ما أوتينا من قوة، وسنسعى بحول الله وقوته إلى أن نكون على قدر ثقة ولاة أمرنا وتطلعات مواطنينا، سننقل همومهم ونتحدث بألسنتهم، ونحاول إيصال أصواتهم والتعبير عن تطلعاتهم، فإن أصبنا فمن الله وإن أخفقنا فمن أنفسنا والشيطان.