لا أتذكر آخر سرادق عزاء ذهبت إليه للتعزية في وفاة ـ امرأة ـ قضت بسبب حادث سير.

لا أتذكر آخر سرادق عزاء ذهبت إليه للتعزية في وفاة ـ امرأة ـ قضت بسبب حادث سير. في العادة أن ضحايا حواث السيارات في الأغلب من الرجال وفي المجمل الطاغي من الشباب بين الثانية عشرة والخامسة والعشرين. حتى في الإحصاء، تقول الدراسة، إن السائق أكثر عرضة للموت في الحوادث يليه الراكب في المرتبة من خلفه مباشرة لأنهما من أهل ـ اليسار ـ تماماً في مواجهة خط السير المعاكس، وبالطبع في المجتمع السعودي، وخصوصاً الذكي منه، فإن هذه المنطقة من مراتب السيارة العائلية مشغولة بالأب الزوج ثم بالعاملة الإندونيسية خلفه مباشرة. وحين تسمعون عن ـ الأرامل ـ من النساء فلا تظنوا أنهن في الأغلب استقبلن خبر رحيل الأزواج وهن في البيوت. كل الفارق هو في الموقع على مرتبة السيارة. أهل اليسار، إلى المقود، يموتون غالباً في الحال، فيما أهل اليمين من الزوجات يخرجن بعد ما يقرب من أسبوعين من العناية المركزة بأجساد مرمرمة. وأنا هنا لا أطالب بنقل مقود السيارة إلى اليمين من أجل توزيع عدالة الموت بين الجنسين، بل أطلب تغيير خطوط السير تماماً مثلما هو في كل المستعمرات البريطانية. سأضمن لكم بعدها أن لا تطلب امرأة واحدة الخروج من المنزل حين تدرك أن السيارات المعاكسة على مسافة شبر من شحمة الأذن ثم على مسافة عرض ذات ـ الأذن ـ من جمجمة جاهزة للتحطيم والكسر. والحق، أن النساء، في بلدي لم يستوعبن حتى اللحظة هذه النعمة التي وضعتهن على بعد ثلاثة أمتار من كل سيارة متهورة في الطريق المعاكس. ومن أجل عدالة التوزيع في الموت، أو على الأقل من باب تقليل أعداد الأرامل، أقترح أيضاً أن تكون السيارة من ـ طابقين ـ على طريقة ـ الجامبو ـ العملاقة، علوي تجبر فيه المرأة بالجلوس إلى اليسار وسفلي يتبع فيه الزوج ـ يساراً ـ كما هي العادة قائداً للمركبة. سيضمن الاثنان ذات المصير المشترك وذات الشراكة في الدم المهدور والكسور والجروح وتوقيت طلعة الروح مثلما ستضمنون قطع دابر الاختلاط بين الجنسين، وأنا هنا لا أقصد الاختلاط المحرم حتى لا أقف في الطريق المعاكس أمام ـ كورال الأحمد والدويش ـ بل أقصد فتنة الغزل والكلام المعسول وغراميات ـ طق الحنك ـ بين الزوجين التي كانت ـ ربما ـ سببا في إلهاء الزوج القائد عن التركيز في سلامة السير رغم أنني لا أمتلك برهاناً على هذا السبب، لأن الشاهد الضحية على آخر السواليف من ـ أهل اليسار ـ عادة ما يموت حالاً قبل أن نستنطق شهادته.