إذا كانت منظمة العفو الدولية تظن أن تقاريرها ستدفع المملكة إلى تغيير أحكامها القضائية، فإن عليها أن تدرك أن أضعف الدول لم تعد تأبه لتقاريرها أو تلقي لها بالا، لأنها فقدت مصداقيتها

مرة أخرى تعود المنظمات الدولية إلى المغالطة والتطفيف، والسير عكس الاتجاه، ومحاولة التربص بالمملكة العربية السعودية، وتوجيه انتقادات غير منطقية لأحكامها القضائية. هذه المرة كانت بطلة ذلك المسلسل الممجوج منظمة العفو الدولية، التي أصدرت تقريرا متعجلا، انتقدت فيه الحكم الذي أصدرته المحكمة الجزائية المتخصصة في قضايا الإرهاب وأمن الدولة، في الرياض بإعدام عدد ممن ثبت تورطهم في التجسس لصالح إيران.
بداية فات على المنظمة العريقة أن الحكم أولي، وغير قطعي، وأن هناك مراحل استئناف معروفة، يستطيع المدانون خلالها أن يدفعوا بما يخفف عنهم العقوبة أو يسقطها عنهم، إن كانوا غير مذنبين، لذلك فمن غير المفهوم أن تقع مثل هذه المنظمة في خطأ جسيم كهذا، أما إن كانت تلك الانتقادات محاولة ضغط على النظام القضائي للمملكة فإنها تبدو محاولة ساذجة، لأن القضاء السعودي أثبت غير مرة أنه لا يبحث سوى عن الحقيقة، ولا يتأثر بمثل هذه الانتقادات المغرضة.
سؤال كبير ينبغي على المنظمة أن تجاوب عليه، عن ماهية عقوبة الإعدام في كافة الدول، وماذا يستحق من ارتضى أن يكون معولا لهدم بلده وأداة في أيدي أعدائه؟ أليس الإعدام في هذه الحالة عقوبة مناسبة؟ فالجاسوس أضر بوطن كبير يضم عشرات الملايين، والمعلومات التي قدمها لأعداء بلاده قد تكون سببا مباشرا في إلحاق الأذى بهم وتهدد مصالحهم، فأن تعدم شخصا واحدا بسبب إضراره بعشرات الملايين هو -بلا شك- عقوبة أقل من الذنب الذي ارتكبه المدان.
السؤال الأكثر إلحاحا يكمن في السبب الذي يدفع مثل هذه المنظمة، التي تزعم البحث عن العدالة وتحقيقها، إلى غض البصر عن مآس تجري في دول أخرى، وإصابتها بالخرس وهي ترى مئات الأطفال والنساء والكهول يقتلون كل يوم، في سورية، ببراميل متفجرة، وصواريخ جهنمية، وقنابل فسفورية. أنهار من الدماء تسيل، وبيوت تهدم، وأطفال تيتموا ونساء ترملن، دون ذنب سوى رغبة مجنونة ممن يريد أن يحكمهم طول الدهر، وأن يصادر حريتهم ويهدر كرامتهم. كل هذا لم يحرك هذه المنظمة، أو يدفعها إلى قول كلمة حق في وجه طاغية العصر الحديث، بشار الأسد، والميليشيات الطائفية التي تقف وراءه.
ماذا فعلت المنظمة وغيرها من أدوات الأمم المتحدة، لوقف النظام الإيراني، الذي استقدم الميليشيات الطائفية من لبنان والعراق وأفغانستان، وسام شعب سورية أشد أنواع العذاب، بعد أن وجد في اندلاع شرارة الثورة السورية فرصة ذهبية انتظرها عقودا طويلة، وأوهم حليفه الغارق في الأوهام أنه يتعرض لمؤامرة كبرى، وأرسل جنوده وآلياته العسكرية إلى عواصم بعض الدول العربية، وأرض الثقافة العربية، لتحقيق هدف واحد لا ثاني له، هو طمس كل معالم العروبة في تلك البلاد، وإدراجها في محور الشر الذي يرعاه، لأجل تحقيق حلم قديم هو إعادة إمبراطوريتها البائدة، والسيطرة على الدول العربية.
هل استطاعت منظمات المجتمع الدولي إصدار بيان واحد يدين روسيا، التي أرسلت قاذفاتها الحديثة لتشوي بها أجساد الأطفال الصغار وهم يلهون في رياضهم ويدرسون داخل فصولهم؟ حتى مجلس الأمن الدولي نفسه، فشل قرابة 10 مرات في إصدار ولو بيان واحد يلزم المتكالبين على إبادة الشعب السوري بوقف عدوانهم الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا!
إذا كانت تلك المنظمات تتوهم أو تظن أن تقاريرها ستدفع المملكة إلى تغيير أحكامها القضائية، فإن عليها أن تدرك حقيقة واحدة، هي أنها فقدت بريقها، ولم تعد أضعف الدول تأبه لتقاريرها، أو تلقي لها بالا، لأنها فقدت مصداقيتها، ولأن هذه التقارير التي يفترض أنها تنقل صورة حقيقية للواقع، وتنشد تحقيق العدالة تحولت إلى بيانات سياسية، تصدر لإرضاء أطراف أخرى، وتحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن الهدف الحقيقي منها.
إذا كانت المنظمة المذكورة أرهقت نفسها بمجرد مراجعة حيثيات الحكم، لوجدت أنها تحمل في جوفها حيثيات العدالة، ومؤشرات الحق، فمن بين 32 متهما، تمت إدانة 15، حكم عليهم بالإعدام، وجميعهم من حملة الجنسية السعودية، فيما حكم على 15 آخرين بأحكام متفاوتة بينها السجن لفترات تتراوح بين السجن لمدة 6 أشهر و25 عاما، حسب تورطهم والأدوار التي قاموا بها، ومن ضمنهم إيراني حكم عليه بالسجن لـ4 سنوات، فيما تمت تبرئة متهم واحد، أفغاني الجنسية. فأن تدين المحكمة 30 سعوديا وتحكم عليهم بأحكام مشددة، وتحكم على إيراني بحكم مخفف، وتبرئ أفغانيا، فهذا أكبر دليل على أن المحاكمة لم تكن لها أي أهداف سياسية أو دوافع غير قانونية.
بقي القول إن التقرير الأخير يشير إلى حقيقة واحدة، هي أن هذه المنظمات الدولية تحتاج إلى وقفة جادة أمام النفس، تراجع فيها أهدافها، وطريقة حصولها على المعلومات، وكيفية تقييم المواقف وتقدير الأحكام، إن كانت تنشد العدالة، كما تزعم، أما إن كان القائمون عليها يدركون أنهم تحولوا إلى أدوات سياسية، فإن عليهم أيضا أن يعلموا أن أساليبهم الممجوجة لم تعد ذات جدوى، وأن العهد الذي كانت فيه الدول تهتم لتقاريرها وتلقي لها بالا قد ولى إلى غير رجعة، بعد الاختلال الأخير الذي شهده العالم كله، وتغيُّر مقاييس العدالة، وتحول تلك المنظمات إلى أدوات سياسية تسعى لتحقيق أهداف مشبوهة، تقف وراءها دول أخرى.