من المخل عقد مقارنة بين ما قدمته المملكة لأشقائها في اليمن وما قدمته إيران، فالأولى تشق الطرق وتفتح المدارس، وتمد المستشفيات بما تحتاجه، بينما الثانية لا تقدم سوى الصواريخ والألغام وأحزمة الرصاص

انتشر خلال الفترة الماضية مقطع فيديو قصير في مدته الزمنية، كبير في المعاني والرسالة التي أوصلها لمشاهديه، يظهر أحد موظفي البنوك بالعاصمة اليمنية صنعاء، وهو يسأل عددا من المراجعين الذين تزاحموا على كاونتر البنك في انتظار الحصول على تحويلات مالية تخصهم. كان عدد من عناصر جماعة الحوثيين الانقلابية قد أرغموا المراجعين على ترديد هتافات معادية للمملكة. إلا أن موظف البنك تخطى المحاذير الأمنية، وتحدث مع المراجعين طالبا ممن كانت له حوالة قادمة من إيران أن يتقدم لاستلامها فلم يأت أحد، رغم ترديده النداء أكثر من مرة، فطلب ممن له حوالة من المملكة أن يتقدم، فتجاوب معه معظم المراجعين! وهنا يتوجه الموظف قائلا هذه هي السعودية التي يتهمها الحوثيون بشن عدوان على اليمن، تصلكم منها مئات الآلاف من الدولارات يوميا، هذه هي المملكة التي لم تتأخر عن مد يد العون لليمنيين وساعدتهم على بناء المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات، وأنشأت المؤسسات وشقت الطرق، فماذا قدمت لكم إيران غير السلاح وأدوات الدمار؟.
ومع أن المقطع عمل درامي قام بأدائه الممثل علي الحجوري، إلا أنه حصد إعجاب ملايين اليمنيين والسعوديين وكل من شاهده، وبلغت نسبة مشاهدته أرقاما عالية في ساعات محدودة، وتفاعل معه الكثيرون، لا لسبب إلا لأنه لامس الحقيقة التي يؤمن بها غالبية الإخوة اليمنيين، فالمملكة لم تمارس المن والأذى تجاههم خلال السنوات الماضية، رغم ضخامة المساعدات التي قدمتها لهم، وذلك لسبب رئيسي يتمثل في عمق العلاقة التي تجمع البلدين الشقيقين، وهي علاقة تستمد جذورها الضاربة في القدم من عوامل عديدة، أولها الدين الواحد الذي يجمع بينهما، واللغة التي يتحدثان بها، وعلاقات المصاهرة التي تربطهما، والدماء العربية التي تجري في عروق أبناء البلدين الشقيقين.
التسجيل القصير، مع أنه جهد فردي، إلا أنه يبرز التأثير الفاعل لمثل تلك الرسائل الإعلامية، فوسائل التواصل الاجتماعي باتت تملك ميزة خاصة، تتمثل في سرعة الوصول إلى أكبر فئة مستهدفة، بأقل تكلفة مادية، كما تستخدم لغة قريبة من الناس، بعيدا عن النخبوية، إضافة إلى أن المتلقين هم الذين يقومون بمهمة نشر المادة، عبر تبادلها على هواتفهم المحمولة، وتحميلها على مواقع الإنترنت المتخصصة، مثل يوتيوب وتويتر وفيسبوك، لذلك فإن الحاجة تقتضي التركيز على هذه الوسيلة الحديثة، وأن يتولى مختصون مهمة إنتاج رسائل يتم بثها على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف إلى تأكيد العلاقة بين الشعبين الشقيقين، والتاريخ الكبير الذي يجمعهما، ومن الضروري مراعاة عنصر أساسي في تلك الرسائل الموجهة، هو البساطة وعدم التعقيد أو الجنوح إلى انتقاء الكلمات الرنانة، لأن الافتعال يفشل هذه الرسالة، والتكلف يذهب مفعولها، فالأفكار ينبغي أن تكون بسيطة، والكلمات عفوية، تخرج من فم المواطن العادي، وهناك من القصص الاجتماعية ما لا يكفي المجال لذكره، وهي تصلح كمادة ثرية لآلاف الرسائل التي يمكن أن تخاطب المتلقين.
ومن المخل عقد مقارنة بين ما قدمته المملكة ودول الخليج لأشقائها في اليمن، وما قدمته إيران، فالأولى تقدم المساعدات الإنسانية، ومستلزمات النهضة، وتشق الطرق وتفتح المدارس، وتمد المستشفيات والمراكز الصحية بما تحتاجه، بينما الثانية لا تقدم سوى الصواريخ والقنابل والألغام وأحزمة الرصاص، حتى المرة الوحيدة التي تظاهرت فيها بتقديم مساعدات إنسانية كانت عبارة عن شحنة أرز فاسدة وصلت ميناء الحديدة وهي مليئة بالديدان والحشرات، مع كراتين من لحم التونا الفاسد انتهت صلاحيتها! فشتان بين من يوفر عوامل التقدم والحياة، وبين من يقدم عناصر الموت والدمار.
لا أظن أن هناك بلدين جارين تجمع بينهما عوامل الترابط مثل ما هو الحال عليه بين المملكة واليمن، فمنذ أن خلق الله الأرض كان شعبا البلدين في قمة الترابط، يتأثر كل منهما بما يجري في البلد الآخر. وعندما بدأت عناصر النهضة الاقتصادية في المملكة، لم تتنكر لأشقائها في اليمن، ففتحت لهم أبوابها، ورحبت بهم للعمل على أرضها، إخوة أعزاء، ومنحتهم من المزايا التفضيلية ما لم تمنحه سواهم، وحاليا يوجد في المملكة أكثر من مليوني يمني، يعملون في شتى مجالات العمل، ويحولون أموالهم في سهولة ويسر لذويهم في اليمن. كما تثبت الإحصاءات الرسمية أن أكبر عدد لغير السعوديين المتزوجين من سعوديات هم اليمنيون، كما يأتي السعوديون في صدارة قائمة المتزوجين من اليمنيات.
وعندما حلت باليمن فتنة الانقلاب الذي دبرته جماعة الحوثيين الانقلابية وحليفها المخلوع لم تتردد حكومته الشرعية في طلب الدعم من المملكة، ولم تتوان الرياض عن التدخل عسكريا بعد أن أنشأت تحالفا عربيا واسعا، فتحركت بأسرع مما يمكن، وحفظت اليمن من الانسياق وراء المشروع الإيراني الذي كان يستهدف مهد العرب. ولأن الحروب عادة ما ترافقها أزمات إنسانية ومعاناة اقتصادية، قام مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بتقديم الدعم الإنساني لليمنيين المتأثرين من الأحداث، وأنفق ما يفوق المليار دولار في شكل مساعدات غذائية وطبية، لم تستثن منطقة من اليمن، حتى مسقط رأس زعيم الانقلابيين في صعدة وصلته عشرات الشاحنات الإغاثية. وهذا في حد ذاته دليل على أن علاقة المملكة باليمن تتخطى المظاهر المذهبية والمناطقية، ولا تقوم إلا على عناصر الإنسانية والجوار ووحدة المصير.