غالب الفعاليات المؤثرة اليوم وبالتحديد التيارات المنطلقة من توجهات دينية وقومية لديها أزمة جوهرية في مبدأ الفكر باعتبار أن محرك هذه الحركات هو حالة من الماضي
طرح أستاذنا محمد العلي في خاتمة مقالته في صحيفة اليوم السبت الماضي سؤالا في غاية الأهمية: كيف نقرأ الواقع؟ يطرح الأستاذ العلي هذا السؤال نتيجة لأزمة يعانيها الفكر العربي: أزمة تناسخ الإجابات. بمعنى أن مشكلة اليوم يجاب عليها بإجابة لا تنتمي لذات السياق الدقيق الذي نشأت فيه هذه المشكلة. أي إن الإجابات تتوارث ويتم نقلها مع الزمان وكأنها خارقة للزمن وهذا يعني عطالة الفكر وعجزه عن إدراك الواقع وغياب الوعي التاريخي عن منظومة التفكير.
سؤال الأستاذ العلي: كيف نقرأ الواقع؟ سؤال ثري باعتبار أنه شديد العلاقة بجانبي الفكر. فهو من جهة سؤال تجريدي يحيل إلى تصور الفكر للوجود الإنساني وعلاقة الإنسان بحركة التاريخ. ومن جهة أخرى فهو سؤال واقعي ومباشر لدقيق الأحداث التي يعيشها الفرد. مرتبط بسؤال التغيير والتطوير. مرتبط بسؤال الفرد العربي اليوم حول حالة التخلف التي يعيشها. بل هو مرتبط حتى ببرامج العمل وخطط الإصلاح التي تتبناها الحكومات أو التيارات السياسية والاجتماعية والفكرية المختلفة. لأنه باختصار السؤال الذي يفتح النافذة التالية : هل نحن مدركون لما يجري حولنا؟ هل نفهم حقيقة شبكة الظروف التي نتحرك خلالها؟ هل ندرك حقيقة وضعنا الحالي ووضع الآخرين من حولنا؟ هل نعلم من نحن؟
برأيي الشخصي أن غالب الفعاليات المؤثرة اليوم وبالتحديد التيارات المنطلقة من توجهات دينية وقومية لديها أزمة جوهرية في مبدأ الفكر باعتبار أن محرك هذه الحركات هو حالة من الماضي. أي أن المقلق لهذا الفكر هو استعادة صورة من الماضي، صورة تأخذ قيمتها من معادلة الصراع مع الآخر أكثر من أنها تأخذ قيمتها من قيمة الإنسان الفرد. بمعنى أن هذه التيارات التي تطرح أزمة الفرد العربي اليوم تستحضر ماضيا لم يكن الفرد العربي فيه أحسن من اليوم. التيارات الدينية والعروبية في مجملها تسعى لواقع مستوحى من الماضي لا يمثل الفرد فيه إلا أداة لتحقيق شعار يتمثل في تحقيق الغلبة على الآخر. هنا تكمن برأيي حالة اغتراب قطاع عريض من التيارات الفكرية والسياسية العربية. اغترابها عن الإنسان الفرد يعني اغترابها عن الواقع الذي يشكله مجموع هؤلاء.
ما أرغب في طرحه هنا كمشاركة في التفكير ضمن سؤال الأستاذ العلي هو صعوبة الوصول إلى الواقع في السياق العربي اليوم. أقصد أنه في ظل غياب الحرية فإن الوصول للفهم الواقع هو عملية محفوفة بالمخاطر باعتبار أن الواقع هو تلك الشبكة التي تديرها قوى المجتمع الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية وبالتالي فإن معرفة الواقع تكمن في معرفة هذه الشبكة وعلاقاتها الداخلية وهذا لا يتحقق إلا بقراءة نقدية تتجاوز السطح لتصل إلى عمق القضية. هذه القراءة النقدية محفوفة بالمخاطر ولا يسمح لها بالتبادل في المجال العام. أي إنها لا يسمح لها أن تتحول إلى وعي ونحن نعلم أن الفكر إذا لم يعلن ولم يتحول إلى وعي عام فإنه يبقى خارج سياق الواقع.
هذه إشكالية حقيقية يمر بها المفكر العربي اليوم فهناك جدار صلب يقف بين الناس ويمنعهم من التواصل الحقيقي. جدار يفصل بين أفراد المجتمع ويعزل أفكارهم عن بعضها. باعتبار أن الفكر النقدي خطر ويتم تجريمه من القوى ذات السيطرة في الواقع. الأفراد يشعرون بضعف أمام هذه القوى مما يجعلهم يتوقفون عن التفكير في الواقع. القوى المسيطرة تقول لك فكر كما تشاء بعيدا عن الواقع ولكن حين تقترب من الواقع فأنت تقترب من الخطر.
أعتقد أن وضع هذه الحالة في الذهن ضروري جدا للتفكير في كيف نقرأ الواقع اليوم؟ بل يمكن القول إن هذه الحالة هي جوهر الواقع العربي اليوم. غياب الحرية وغياب القدرة على التفكير بشكل علني وتبادل الأفكار بين الأفراد بحرية وأمان. ومن هنا فإن الحرية تتقدم المشهد لتصبح جوهر سؤال الفكر العربي اليوم. الحرية هنا هي حرية الفرد في التفكير والاعتقاد والاختيار والمشاركة العامة. حق الإنسان في صناعة حياته وتشكيل خياراته. حق الفرد في تشكيل الواقع من حوله. حقه في الفعل والتغيير والتأثير.
سؤال الأستاذ العلي يحيلنا إلى فهم الإنسان لذاته. قراءة الإنسان لذاته باعتبار أن الإنسان هو الواقع في الأساس. قبل قرون طويلة كتب سقراط اعرف نفسك باعتبار أن هذه المعرفة هي أساس كل معرفة ومنها معرفة الواقع. تقوم جملة سقراط على مقدمة جوهرية وهي أن الذات غير معروفة مسبقا وتحتاج إلى سعي فردي لمعرفتها. هنا موقف من التعريفات التي ينشأ فيها الإنسان، هنا موقف من الثقافة والفكر المسيطر. كل إنسان يولد ليحاط بسلسلة من تعريفاته. أنت فلان ، ابن الثقافة الفلانية ، ابن هذا المجتمع ، هذه هي أفكارك ، هذه هويتك. يقترح سقراط التشكيك في كل هذا وفتح الملف من جديد. فتح سؤال الذات من جديد وهذا هو مبدأ الحرية. الحريّة في أن يعرّف الإنسان ذاته. أن يحدد ذاته ويقول هذا أنا.
في المقابل، في الثقافة العربية سلسلة طويلة من إجراءات منع الفرد من معرفة ذاته. منع الفرد من التشكيك في الإجابات الممنوحة له سلفا. إجراءات لمنعه من معرفة ذاته وبالتالي منعه من معرفة الواقع. وهنا يتحول سؤال أستاذنا العلي إلى كيف نقرأ الذات؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نوجه منظار الفكر للإنسان بعد أن طال اغترابه وتحليقه في أجواء من الشعارات والمساحات الوهمية التي لا تزيد إلا اغترابا وابتعادا عن الواقع ، عن الذات.