المرأة في هذا العصر رافد أساسي في بناء جوانب الحياة المختلفة، التربوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وإقصاؤها عن أي جانب منها هو تخاذل عن السير مع تيار الحياة الذي يمضي إلى الأمام

كعادة أي موضوع يتعلق بالمرأة في التعليم أو سواه، قوبل قرار وزارة التعليم خلال الأيام الماضي بإقرار التربية البدنية للبنات في التعليم، بدءا من العام الدراسي القادم، بعاصفة من الآراء المتباينة من المجتمع، والتي تتفاوت بين التأييد، واعتبار أن هذا القرار المتأخر جدا نصرا جديدا لتعليم الفتيات في المملكة.
ومِن المعارضين مَن يرون في هذا القرار مؤامرة لتغريب المجتمع، وإخراج المرأة عن الحياء والعفة، وتهميشا لفتاوى بعض كبار العلماء في المملكة.
وفي كل الأحوال، فإن وزارة التعليم تخوض الآن اختبارا حقيقيا، لإثبات قدراتها على تطبيق هذا القرار بآلية توازن بين الإمكانات البشرية والمادية المتاحة حاليا، وتكمل جوانب الاحتياج فيهما خلال الفترة القريبة القادمة، والأهم أن تُعرض عن محاولات العرقلة والتشويه والتأخير لمثل هذا القرار من داخل الوزارة وخارجها.
الاعتراض على التربية البدنية للبنات -رغم حرص الوزارة على أن تقرنها «بالضوابط الشرعية»- كلما ذكرته يأتي بسبب رئيسي لنظرية المؤامرة التي أُشبع بها المجتمع حتى أصبح كثير من أفراده، سواء كان يؤمن بالقضية التي يتحدث عنها أم ينساق مع جموع المعترضين، ينظر معهم حول مؤامرة العالم على المرأة السعودية تحديدا.
ويجد المحترفون في هذا التنظير المؤامراتي ما يدعم رؤاهم، كاستشهادهم بفتاوى بعض المشايخ، إذ يرى أحدهم أن في إقرار رياضة البنات «اتباعا لخطوات الشيطان»، ويجزم الآخر «بحرمتها فضلا عن إقرارها».
هذه الخطوات المقصودة، تتعلق بشكل أساسي في لباس المرأة خلال تأدية الرياضة، باعتبار أنها ستبدأ بالتخلي عن الملابس حد التعري، حينما تبدأ في ممارسة الرياضة بالمدرسة، دون اعتبار للتربية التي تتلقاها الفتاة في منزلها أو مدرستها، والآليات التي توضع في المدارس والجامعات.
كما أن التربية البدنية تطبق منذ سنوات كثيرة في غالب مدارس البنات الأهلية، ولم نسمع أو نر أن تطبيقها تدرّج بلباسهن من المعقول حتى اللامعقول.
وهم يعدون أنه نوع من تغريب للمجتمع، رغم ضبابية هذا المصطلح وتوظيفه لاستخدامه في الاعتراض على ما لا يتفق مع توجهاتهم.
فهم لا يرون في وسائل التقنية -القديم منها والحديث- نوعا من التغريب، كاستخدام النظارات الطبية والسيارات والسفر بالطائرات في الرحلات السياحية أو الدعوية، أو التنظير من خلف الهواتف الذكية المستوردة من الغرب.
كما يدين المعترضون مثل هذا القرار، لأنه في نظرهم جزء من تطبيق بعض الاتفاقيات الدولية التي تشارك فيها المملكة مع بقية دول العالم، كالاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باتفاقية «سيداو»، والتي وقّعت المملكة بالموافقة عليها عام 2000 مع تحفظها -كما تفعل مع أي معاهدات واتفاقات دولية، فضلا عن الوثائق الاسترشادية- على البنود التي تتعارض مع الإسلام كالمثلية الجنسية.
المعترضون أيضا يرون في دراسة وتطبيق التربية البدنية خروجا عن طبيعة المرأة الجسدية، والتي يكررون أنها فقط خلقت للقرار في المنزل وإنجاب الأبناء وتربيتهم، متجاهلين واقع الحياة التي كانت تعيشها النماذج النسائية الأولى في صدر الإسلام، من مشاركة وقوة جسدية واجتماعية، ومتناسين أيضا حقيقة أن حصر دور المرأة في وظائف المنزل ليس له أساس من الصحة، ولا يتفق مع الواقع الذي نعيشه ولا يخلو فيه منزل من امرأة عاملة تسهم ماديا بخروجها إلى معترك الحياة في بناء أسرتها وتربية أبنائها، تحمل مسؤولياتها كالرجل -وربما تفوقت عليه- بمقدرتها على الموازنة بين جوانب حياتها الخاصة والعامة، وهذا ما يرى فيه أشباه الرجال ومن يتفق معهم من ذوات الفكر الحريمي، نقصا في كمال رجولة الرجل أو تجاوزا على حدود الوهمية.
إن النظر إلى المرأة على أنها مشروع فساد وإفساد جاهز، حينما تتاح له الفرصة سيبادر به، وتربية الفتيات على أنهن قابلات للانحراف حينما يمارسن حياة طبيعية كدراسة الرياضة في المدارس، أو قيادة السيارة، أو العمل المختلط، والتعامل معهن منذ الصغر بهذا التوجّه حتى يقتنعن أنهن كذلك، وتربية جموع من الذكور بهذه النظرة الناقصة والنفعية للمرأة، هو السبب الأول في فقد كثير من بناتنا الثقة في قدراتهن وأنفسهن، وضعفهن في مواجهة الحياة بشجاعة، والنظر إلى المفاهيم المعاصرة للحياة التي تحتاجها، من المساواة والعدالة والحرية والمسؤولية تجاه أنفسهن ومجتمعهن ووطنهن، بطريقة متشككة ومتخاذلة، وقد تعلّم وتربي أجيالا قادمة بهذه النظرة.
المرأة في هذا العصر -ككل عصر مضى أو قادم- رافد أساسي في بناء جوانب الحياة المختلفة، التربوية والاجتماعية والاقتصادية، وغيرها، وإقصاؤها عن أي جانب منها هو تخاذل عن السير مع تيار الحياة الذي يمضي إلى الأمام، ويترك خلفه المتعثرين يبددون سنينا من عمر أوطانهم في حياكة المؤامرات والتنظير لها، واقناع العامة بها، وإحراج المملكة وشعبها بهذه النظريات السوداوية، وعرقلة مسيرتها في التطور والتنمية، وتحقيق أهداف رؤيتها التنويرية.