حاجتنا اليوم تزداد، إلى أصحاب أفهام مستقلة، تزن الأمور، ولا تسلم بمصادر التثقيف؛ التي تمنع الناس، من الاستفسار، أو تلك التي تصف من يحاول السؤال بأنه ملحد خطير
يستوقفني كثيرا قول الله تعالى {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، وبمجرد التمعن فيه أطمئن أكثر إلى أن العشوائية وترك الأمور للصدف شيء يضاد الآية الشريفة، وأن التفكير، والتعلم، والإسهام في بناء الحياة واجبات شرعية وعقلية..
الأفهام الفاسدة هي التي تقف عقبة في طريق الحضارات، وإصرار أصحابها ـ مثلا ـ على تناسي قول الحق، سبحانه وتعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَ?لِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، والتمسك بما سمعه سيدنا ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب..»، وما نتج عن هذا الفهم للآية والحديث معا؛ من حرج التعرف على بداية شهر الحج وغيره، من أشهر الله، وظن أن (الأمية) وصف مستمر للأمة، وأن الآية رغم أنها صريحة؛ محكومة بالحديث، وليس العكس..
المثال المذكور مجرد مثال فقط على غيره، من أقوال وأفعال، وخطب وفتاوى، أساءت إلى روح الدين وأصله، حتى ظن البعض أن الإسلام ضد العلم، مع أن الحقيقة تؤكد على أن المشكلة تكمن في الذين يريدون إرغام الدين على أن يصير وفق أوهامهم؛ هواة الجهل والجمود، الذين يمنعون غيرهم من السؤال، ولا يعرفون إلا التقليد ولو كان أعمى، متجاهلين حقائق مهمة، وتحذيرات دقيقة ذكرها غير واحد من السابقين، ومنهم الإمام الغزالي، في كتابه الفكري والكوني الرائع (ميزان العمل)، الذي كتبه في مرحلة دقيقة من حياته، هي مرحلة بحثه عن الحق واليقين، يقول رحمه الله، في صفحة 409: «جانب الالتفات إلى المذاهب، واطلب الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى، تقلد قائداً يرشدك إلى طريق، وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك، بأنه أهلكك وأضلك عن سواء السبيل، وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك، فلا خلاص إلا في الاستقلال»..
حاجتنا اليوم تزداد، إلى أصحاب أفهام مستقلة، تزن الأمور، ولا تسلم بمصادر التثقيف؛ التي تمنع الناس، من الاستفسار، أو تلك التي تصف من يحاول السؤال بأنه ملحد خطير، وصاحب شبهة خبيث.