'ليون' أظهرت قدرة جديرة بالاحتذاء في تحويل الموروث التاريخي إلى عنصر جاذب للسياحة، ثم في تحويل شهرتها في مجال الإضاءة التقليدية إلى أن تكون مركزاً دولياً في عالم الابتكار وصناعة الأنوار
أكتب هذا الأسبوع من مدينة ليون الفرنسية، حيث جئت بدعوة من جامعة ليون لإلقاء محاضرة في بيت المشرق Maison de l’Orient التابع للجامعة. وأول ما لفت نظري هذه المرة، عبقرية المدينة في مزج التاريخ والتقاليد بالاهتمامات العصرية بالبيئة، وبظروف الأزمة المالية التي تتطلب التقشف وزيادة دخل المدينة، من خلال برامج جذابة تزيد من جمالها ومكانتها الدولية، وتجتذب السياح، وتدر عليها دخلاً هي في أمس الحاجة إليه.
فقد صادفت زيارتي لمدينة ليون الاحتفال المعروف بيوم أو عيد الأنوار Fête des lumières وهو احتفال سنوي يبدأ يوم الثامن من ديسمبر، ويستمر لمدة ثلاثة أيام، وتزدان فيه المدينة بالأنوار بالألوان والأشكال المختلفة، بيوتها وشوارعها وسياراتها وقواربها (المدينة بين نهرين)، ويتجمع الناس في ساحتها الكبرى للاحتفال. ويعود أصل العيد إلى مثل هذا اليوم من عام 1643م عندما انتشر مرض الطاعون في فرنسا ومناطق قريبة من ليون، فتجمع أهل المدينة في ساحتها ولهجوا بالدعاء بألا يدخل الطاعون مدينتهم، ونذروا إن استجيبت دعواتهم أن يحتفلوا كل عام في هذا اليوم بالشكر وإضاءة الشموع وتقديم الصدقات. ولم يدخل الطاعون المدينة وأوفى أهلها بنذرهم إلى يومنا هذا.
وفي الوقت الحاضر، بالإضافة إلى الاحتفالات الخاصة، تنظم البلدية عروضاً كبيرة في ساحتها الكبرى تُخلّد هذا الحدث. وتحولت الشموع الصغيرة إلى أعمال إنارة ضخمة بالليزر. وتجتذب هذه الاحتفالات كل عام ملايين الزوار من فرنسا وخارجها، وتمتلئ فنادقها فلا تجد فيها موطء قدم، فضلاً عن غرفة.
وأصبح الاهتمام بالأنوار جزءاً من تراث المدينة وتقاليدها، ولهذا انتشرت فيها شركات ومصانع الإنارة، وأصبحت مكاناً للمسابقات في تصميم أفضل الأنوار وأجملها. واهتمت غرفة التجارة والصناعة بهذا الجانب وأقنعت الحكومة الفرنسية بدعم الأبحاث المتعلقة بالإضاءة.
وانسجاماً مع هذه التقاليد، أُنشِئت منذ عامين جائزة أوروراليا Auroralia ، وهي مسابقة عالمية للإضاءة المستدامة أو الصديقة للبيئة sustainable lighting، يتم تمويلها وتنظيمها بشراكة بين حكومة المدينة والقطاع الخاص.
وسبب الاهتمام بالإضاءة أنها تمثل جزءاً كبيراً من استهلاك الكهرباء، إذ تمثل ما بين 20% إلى 50% من إجمالي استهلاك الكهرباء في معظم دول العالم.
وفي ضوء الجهد العالمي لحماية البيئة وترشيد الطاقة وتخفيف الانبعاثات الملوثة الناشئة عن استهلاكها، فإن هناك سباقاً عالمياً محموماً للبحث عن وسائل بديلة لتوفير استهلاك الكهرباء. تجد ذلك في السيارات وفي الأجهزة المنزلية على حد سواء، إذ تضع معظم الدول قوانين وحوافز هدفها حثُّ الشركات المصنعة على تصميم أجهزة توفر استخدام الطاقة. فتجد الدول المصنعة للسيارات وقد سنّت إجراءات حازمة تدفع الشركات إلى تصميم سيارات وأجهزة اقتصادية ونظيفة. وتأتي جائزة ليون في هذا السياق، بتقديم جوائز تقديرية للشركات والمدن التي تتمكن من تصميم أفضل الأنوار صداقة للبيئة، مع المحافظة على جمال المنظر وكفاءة الإنارة.
وتم الإعلان عن الفائزين بالجائزة هذا العام في الثامن من ديسمبر في احتفال عُقد فوق إحدى السفن في نهر الرون الذي يشق المدينة من الشمال إلى الجنوب، وفي أعقاب الأمطار الغزيرة والثلوج التي نزلت مؤخراً على هذه البلاد كان النهر هذا الأسبوع هادراً، مندفعا في طريقه إلى مصبه في البحر الأبيض المتوسط، ولذلك كانت هذه السفينة التي عُقد فيها الاحتفال بتقديم الجوائز تتمايل مع أمواج النهر غير المعتادة، وتُسمع خلال تقديم الجوائز أصوات الألعاب النارية المدوية احتفالاً بعيد الأنوار.
فازت بالمركز الأول هذا العام مدينة بودابست (المجر) عن تصميم لإنارة جسر الحرية، يجمع بين جمال المنظر وقوة الأداء وترشيد استخدام الطاقة، فضلاً عن انخفاض مستوى التلوث. وحسب بيان منظمي الجائزة، أدى التصميم إلى توفير 67% من الطاقة المستخدمة في الإنارة (262 ميغاوات سنوياً)، وتخفيف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 103 أطنان سنوياً! وفازت بالمركز الثاني مدينة جنيف، تقديراً لبرنامجين نفذتهما لتوفير الطاقة. أحدهما برنامج لإحلال أنوار صديقة للبيئة، وأقوى إضاءة، محل الأنوار القديمة، التي تعمل بالزئبق المضغوط، في شوارع المدينة، مما نتج عنه توفير للطاقة بنسبة 30% (2.5 جيجاوات)، وتخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بمقدار 276 طناً في السنة! أما البرنامج الثاني فهو تبديل الأنوار المحيطة ببحيرة جنيف بأنوار جديدة أدت إلى تخفيض استهلاك الكهرباء بنسبة 90%، وتخفيف انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بمقدار 22 طناً. وفازت مدينة تيلبرغ (هولندا) بالمركز الثالث عن برنامج لإضاءة الطرق يزيد السلامة المرورية، ويحسن منظر المدينة، في الوقت الذي يؤدي فيه إلى توفير استهلاك الطاقة بنسبة 54%، وتخفيف انبعاثات الكربون بمقدار 82 طناً.
وكما قلتُ في بداية هذا المقال، فإن مدينة ليون قد أظهرت قدرة جديرة بالاحتذاء في تحويل الموروث التاريخي والتقاليد إلى عنصر جاذب للسياحة، ثم في تحويل شهرتها في مجال الإضاءة التقليدية إلى أن تكون مركزاً دولياً في عالم التجديد والابتكار في صناعة الأنوار، ثم في المحافظة على البيئة وترشيد الاستهلاك.