نيوم لن تكون مجرد مدينة صناعية أو منطقة حرة بالشكل التقليدي الذي تعارف عليه الناس، بل ستكون أرضا لأصحاب الطموح المرتفع، الذين يستمدون أحلامهم من الحقائق، ويراهنون على إيجاد واقع جديد

خطف مشروع نيوم الذي أعلن عنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤخرا، الأضواء، وبات حديث وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية، وتسابق كثير من الشركات العالمية المرموقة للإعلان عن مشاركتها في تنفيذه، لوجود عناصر التميز المطلوبة التي برع ولي العهد في عرضها بصورة مدهشة، وفي مقدمة تلك العناصر الدمج بين العامل الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، على اعتبار أن تنمية المجتمع وتطوره هي أول المداخل نحو تهيئة الأجواء لإحداث تنمية اقتصادية أكثر تأثيرا، لأن المجتمع هو المعني الأول بها. ويعود تركيز المملكة على هذا الجانب إلى سنوات تأسيسها الأولى، وتجلى ذلك في الحرص على الاهتمام بتحقيق تنمية مجتمعية متوازنة، وألا تكون النهضة الاقتصادية هدفا بحد ذاتها، بل أداة لإحداث الاستقرار والازدهار في المجتمع. وهذه الرؤية العصرية التي تعبر عن قوة التلاحم بين الحاكم والمحكوم هي أبرز الصفات التي تؤكد ارتباط شعبنا بقيادته.
وغني عن القول أن التنمية المجتمعية في المنظور الحديث لا تعني مجرد العناية بالجانب الاقتصادي، إنما تشير إلى تمليك المجتمع القدرة على الانطلاق، وإتاحة الفرصة أمام عناصره لتحقيق النهضة المطلوبة، ولتحقيق هذا الهدف لا بد من إزاحة كل ما من شأنه أن يؤدي إلى وجود احتقان مجتمعي، لذلك كان التركيز على التخلص من المعوقات التي سببت إشكاليات كثيرة خلال الفترة الماضية، ووقفت حجر عثرة دون تحقيق الأهداف المرجوة، فكان لافتا في كلمات الأمير محمد بن سلمان تأكيده بكل وضوح أن الشعب السعودي ليس على استعداد لإضاعة 30 سنة أخرى من تاريخه، ولن يقبل الارتهان إلى أفكار متصلبة ومبادئ متطرفة، حاولت إعاقة كافة الجهود الرامية إلى تحقيق تطور اجتماعي واقتصادي، لذلك حرص على تأكيد هذه الجزئية بشفافية مطلقة وهو يقول «لن نضيع 30 سنة أخرى من أعمارنا في التعامل مع أفكار متطرفة، سندمر أصحاب الأفكار المتطرفة اليوم وفورا». هذه الصراحة كانت مطلوبة بشدة، لأن أي نهضة اقتصادية أو خطط تنموية لن يكتب لها النجاح ما لم تكن هناك بيئة صحية خالية من الأفكار الهدامة، وأن الاستقرار وحده الكفيل بجذب المستثمرين ورؤوس الأموال الأجنبية، لاسيما إذا كانت المشاريع الاقتصادية من نوع مشروع نيوم الذي هو توجه جديد ونوعي وذو صبغة عالمية.
ومن الأهمية تأكيد أن التطرف الذي عناه ولي العهد ليس هو فقط أعمال الإرهاب والعنف والتفجير التي تحدث في كثير من الدول، فهذه الأعمال نجحت بلادنا والحمد لله في التصدي لها وهزيمتها منذ فترة، وأرغمت خفافيش الظلام على الانزواء في جحورها وأوكارها، بعد أن وجهت للإرهابيين ضربات استباقية موجعة. وأصبح للمملكة فضل السبق على كثير من الدول الأخرى التي باتت تستلهم تجربتها في هذا الصدد. لذلك فإن التطرف الذي يتوجب اليوم استئصاله ومحاربته هو ذاك الذي يرتدي ثوب الإصلاح ويمارسه من يدعون النصيحة، بعد أن نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع، فاعتلوا المنابر، واندسوا بين الشباب من طلاب العلم، وتسللوا إلى قاعات المحاضرات وصفوف الطلاب، يلوثون عقول الناشئة، ويعملون على إفساد فطرتهم السوية، عبر تشويه المصطلحات وتزييف معاني الدين القويم، ورغم أن علماءنا الأفاضل بذلوا من الجهد الكثير للتصدي لتلك الأفكار، وتصدوا لها بالفكر الإسلامي الصحيح، إلا أن الحاجة لا تزال ماسة لمزيد من التصدي لهم.
من العناصر الإيجابية الأخرى في المشروع الجديد العمل على التخلص من الروتين والبيروقراطية وجمود التفكير، عندما أعلن ولي العهد أن مدينة المستقبل في نيوم ستكون عالمية التوجه، وستحتفظ الدولة فقط بقوانينها وتشريعاتها في ما يتعلق بالجوانب السيادية، مثل الدفاع، والأمن الوطني، ومكافحة الإرهاب والتهديدات المماثلة، والسياسة الخارجية، أما القوانين التجارية فإن رجال الأعمال والمستثمرين هم الذين سيحددونها، بناء على احتياجاتهم الفعلية، بحيث تكون مرنة وذات قدرة كبيرة على تلبية الاحتياجات الفعلية للمدينة، بالقدر الذي يجعلها وجهة جاذبة للمستثمرين. وحتى في حالات النزاع والإشكالات القضائية، فإن نيوم سوف تحظى بهيئة تنظيمية خاصة، مع إطار قانوني مصمم خصيصاً لتوفير القوانين الاستثمارية المُثلى ضمن فئتها، وستكون هناك أيضاً هيئة قضائية خاصة لحل النزاعات ضمن الإطار التنظيمي للمنطقة الخاصة، حيث ستخضع إلى أنظمة وتشريعات مستقلة وفق أفضل الممارسات العالمية التي تُصاغ من قِبل المستثمرين ومن أجل تيسير حياتهم وأعمالهم.
ولأن المدينة تقوم أساسا على مبدأ المزاوجة بين الذكاء البشري والاصطناعي، فسوف توجد فيها أعداد كبيرة من الروبوتات التي ستعيش إلى جانب الإنسان، وربما يفوق عددها عدد البشر، تماما كما في الكتب وأفلام الخيال العلمي، إضافة إلى وجود حلول فريدة وغير تقليدية لكثير من المشكلات المعاصرة، مثل أزمات المواصلات التي سيتم حلها عبر خيارات التنقل الذكية التي تشمل الطائرات ذاتية القيادة، وتبني أساليب الزراعة الحديثة، وتوفير الاحتياجات الغذائية بطرق مبتكرة، توفر الوقت والجهد، وتراعي متطلبات البيئة النظيفة السليمة، وبالتأكيد فإن سكان المدينة سوف ينعمون بشبكات إنترنت فائقة السرعة، تنتمي لما يعرف بـ «الهواء الرقمي».
إن كان من حقيقة ينبغي التأكيد عليها، من واقع المعطيات التي تم طرحها، فإن نيوم لن تكون مجرد مدينة صناعية أو منطقة حرة بالشكل التقليدي الذي تعارف عليه الناس، بل ستكون أرضا لأصحاب الطموح المرتفع، الذين يستمدون أحلامهم من الحقائق، ويراهنون على إيجاد واقع جديد، تمتد آماله بحدود الأفق وتلامس سقف السماء. لذلك فإن المشروع سوف يوفر أفضل الأجواء والفرص الاقتصادية لقاطني المدينة التي سوف تكون بالتأكيد وجهة رئيسية تقصدها أفضل المواهب من المملكة وخارجها، وتحظى برؤوس الأموال المحلية والعالمية، حتى المستثمرون الذين هاجروا في الماضي إلى الولايات المتحدة وأوروبا هربا من الروتين والبيروقراطية سيجدون فيها مكانا مناسبا لاستثمار أموالهم، لتصبح قبلة اقتصادية وعلمية، فقط للحالمين كما قال ولي العهد.