من المعلوم أن إيران أكثر جبنا من أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع أي من خصومها، لاسيما بعد تجربة الحرب مع العراق، التي ما زالت حتى اليوم تدفع تكاليفها، وما زال اقتصادها يترنح من تأثير تبعاتها
كشفت حادثة الصاروخ الباليستي الإيراني الذي أطلقه عناصر حزب الله على الرياض من أراضي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن عن مقدار الغباء السياسي الذي يعاني منه نظام الولي الفقيه، الذي ربما أفقدته الضغوط العديدة التي يتعرض لها، والخسائر السياسية التي تحاصره، وأخيرا وليس آخرا استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري صوابه، فلم يجد غير الإيعاز لعملائه الحوثيين بإطلاق صاروخ على العاصمة السعودية، ظنا منه أنه بهذا الفعل المتهور الطائش يرسل رسالة تهديد للمملكة، لتغض الطرف عن تدخلاته السالبة في شؤون دول المنطقة العربية، وتتراجع عن تقديم الدعم لتلك الدول.
ويكمن مقدار الغباء الأساسي في عدم إدراك طهران للوضع السياسي الذي يعيشه العالم أجمع، والتغيرات السياسية التي يمر بها اليوم، وأن مقدار السخط على سياساتها العدوانية بلغ أعلى مستوى له، للدرجة التي لا توجد فيها دولة واحدة تجرؤ على إظهار التقارب مع النظام الإيراني، حتى روسيا التي تستقوي بها طهران بدأت منذ فترة في إظهار تبرمها من سياسات الأخيرة، وإصرارها على تأجيج الأزمات الطائفية والعنصرية في سورية والعراق، وهي السياسة التي دفعت موسكو ثمنها غاليا، بعد استهداف عناصرها في سورية ومقتل عدد كبير منهم. إضافة إلى أن الأهداف الروسية في دعم نظام الطاغية بشار الأسد تتقاطع مع مصالح طهران، التي تحاول القفز على النتائج العسكرية التي تحققت بسبب التدخل الروسي، فموسكو لا مصلحة لها في تأجيج أي صراعات مذهبية، بل إن ذلك الوضع يتناقض مع مساعيها ومحاولاتها للخروج من سورية بكرامة، كما أنه لا يعقل أن تحرص روسيا على تقديم كل ما تحقق لها من مكاسب في سورية هدية لإيران على طبق من ذهب، بدون أي مقابل.
الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي اقترفه نظام طهران أيضا هو أنه أزال شكوك بعض الدول في برنامجها الصاروخي ومساعيها للحصول على أسلحة باليستية يمكن أن تشكل تهديدا للعالم أجمع، فالولايات المتحدة كانت تواجه خلال الفترة الماضية تشكيكا من بعض حلفائها الغربيين عندما تتحدث عن خطورة برنامج الصواريخ الإيراني، وكانت دول أوروبا تظن أن في الشكوك الأميركية تهويلا ومبالغة، لكن إطلاق الصاروخ الأخير أوجد حالة غير مسبوقة من الاصطفاف الدولي ضد البرنامج الإيراني، وجعل معظم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تتمسك بتفكيك ذلك البرنامج، عن طريق فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الدولية على طهران التي يعاني اقتصادها من الانهيار، وبات ذلك الصاروخ بمثابة اعتراف إيراني واضح بأن خطرها صار جديا، ليس على دول المنطقة والإقليم فحسب، بل يمكن أن يشكل تهديدا للمصالح الغربية ولحركة التجارة العالمية، لذلك فإن الموقف الدولي من طهران بعد إطلاق الصاروخ سيكون بالتأكيد مختلفا عن الموقف قبله.
أما أكبر الأخطاء التي اقترفها نظام الولي الفقيه، فهو أنه أعلن بصورة واضحة للدول العربية حقيقة نواياه الشريرة تجاهها، وقدم لها الدعوة للاتحاد في مواجهته، وهي مواجهة لن تكون في صالح طهران بالتأكيد، كما أنه سرَّع من وتيرة الاستعدادات العالمية للوقوف في وجه حليفها الرئيسي حزب الله، على اعتبار أنه أداتها العسكرية الرئيسية، وأن إضعاف نظام طهران يستلزم في البداية القضاء على السلاح غير الشرعي الذي يحتفظ به الحزب الطائفي. كذلك فإن الوضع في اليمن سوف يشهد تصعيدا كبيرا يصب في النهاية لصالح الحكومة اليمنية، ويمنح عمليات التحالف العربي المزيد من الشرعية، على اعتبار أنها تنوب عن العالم في القضاء على خطر الانقلابيين الحوثيين، لاسيما بعد تهديدهم بتعطيل حركة التجارة العالمية، عبر استهداف مضيق باب المندب، وهو ما صرح به المتحدث الرسمي للانقلابيين، بإيعاز من طهران بطبيعة الحال، مما يشي بضعف الأفق السياسي لنظام خامنئي، الذي لا يبدو أنه يدرك الفرق ما بين الفعل السياسي والحماقة.
الخطوات الجادة التي اتخذتها الحكومة السعودية في مواجهة العدوان الذي تعرضت له، والإجراءات التي اتخذتها قيادة التحالف العربي بإغلاق منافذ اليمن البرية والبحرية والجوية، لوقف تهريب الأسلحة من طهران لم تواجه بأي رفض دولي، بل إن كافة دول العالم الكبرى أبدت تفهمها لذلك الإجراء، ولم يرتفع صوت واحد معارض في مواجهته، إلا أن العالم ومؤسساته الدولية ينبغي أن تغير نظرتها للحوثيين على اعتبار أنهم حركة إرهابية تفوق حزب الله في خطورتها، لأنها توجد في منطقة استراتيجية أكثر أهمية من لبنان، حيث تطل على أهم المعابر المائية في العالم، وتجاور أكبر منطقة منتجة للنفط، يمكن أن يشكل أي تهديد تواجهه كارثة اقتصادية هائلة تؤثر على العالم بأسره.
ومن المعلوم أن إيران أكثر جبنا من أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع أي من خصومها، لاسيما بعد تجربة الحرب مع العراق، التي ما زالت حتى اليوم تدفع تكاليفها، وما زال اقتصادها يترنح من تأثير تبعاتها، لذلك عمدت إلى إيجاد عملاء تستغلهم كأذرع عسكرية، على غرار حزب الله والحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي، لذلك فإن القضاء على هذه التنظيمات الإرهابية يمثل قضاء مباشرا على أحلامها، وسواء تجاوب العالم مع هذا التهديد الصريح أو لم يفعل، وسيان إذا ما اتخذت الأمم المتحدة خطوات أكثر جدية لجعل العالم آمنا، أو واصلت مواقفها المهزوزة وتقاريرها المشبوهة، فإن المملكة أعلنت بوضوح وقوة وصراحة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة خطر محدق بحدودها الجنوبية، وأصبح يهدد أمن مواطنيها العزل في منازلهم وأعمالهم، وستجتث هذا التنظيم الذي يريد نظام خامنئي أن يجعله موازيا لحزب الله اللبناني، فنحن في عالم لا مكان فيه لضعيف، ولا سبيل لمواجهة اعتداءات الآخرين إلا بالقوة، ونحن أقوياء بحمد الله بإمكاناتنا وقواتنا الذاتية، وقادرون بشبابنا أن نصون وحدة بلادنا ونحفظ أمنها، وأقوياء بعلاقاتنا الإقليمية والدولية، وقبل ذلك بمنطق الحق الذي يساندنا، كوننا ندافع عن حقوقنا ولم نعتد على الآخرين، وإن كنا لا نريد الحرب خيارا، فإننا قادرون على خوضها والنصر فيها.