حين يكون التعليم سلعة بالتأكيد سوف يكون الطالب مستهلكا سلبيا، وحين يكون التعليم إعدادا وتمكينا هنا يصبح قادرا على سبر غَوْر المستقبل بسلاح الفكر والقلم والقدرات، وبهذا نستطيع أن نقول إننا بدأنا عصرا ذهبيا جديدا للتعليم

من المؤلم أن تمسك بأوراق اختبار أو تفتح ملف نشاط ثم تفاجأ بأن طالبا جامعيا لا يعرف حتى أن يكتب جملة مفيدة، ناهيك عن إجابة سؤال مقالي طويل! هذا والمطلوب أن يكتب بلغة الأم، وليس بأي لغة أجنبية أخرى! أصبح الاختبار المقالي يمثل البعبع للأستاذ والطالب معا؛ الطالب لا يعرف كيف يبدأ؟ ولا من أين يبدأ؟ ولا كيف يرتب أفكاره، ومن ثم يقوم بالتحليل والمقارنة؟ ولا كيف يستخدم الأدلة والشواهد، سواء كانت معلومات أو خبرات شخصية؟ ومن جهة أخرى يضيع الأستاذ بين أسطر بلا سياق منطقي، يحاول جاهدا أن يجد شيئا ما يدل على اقتراب الطالب من الإجابة حتى يتمكن من إعطائه ولو درجة واحدة! كنت أعتقد أن التعليم في زمننا كان ينتمي إلى عصر الظلام، فاكتشف أننا كنا نعيش في العصر الذهبي!
سألت إحدى طالباتي أين التعبير وأين الإنشاء؟! أجابت: آخر عهدنا به كان في المرحلة المتوسطة، وحتى في المرحلة المتوسطة كنا ننسخ قطعة من الإنترنت ونقدمها كموضوع ونأخذ عليها الدرجة، وفي الاختبار كنا نحفظ القطع ونعيد كتابتها! لقد قتلت الاختبارات الموضوعية مهارات الكتابة عند الطلبة! وماذا نعني بالكتابة؟ مهارات التفكير والمنطق بل الإبداع أيضا! جيلنا تعلم كيفية جمع المعلومات وصياغة الحجة وترتيب الأفكار واستخدام المنطق وربط كل ذلك بالمعلومات السابقة والخروج بموضوع متكامل مترابط بمقدمة ومتن وتلخيص في النهاية، لم نكن نعلم حينها أن ما تعلمناه يعتبر اليوم ترفا! مقارنة بالعديد من طلبة اليوم، تلقينا تعليما قويا، قام بتعليمنا جيل من المعلمين والمعلمات الذين كانوا يصرون على تقديم العمل الشامل لغة وفكرا ومضمونا، علمونا كيفية تحليل النصوص وكتابة البيانات، علمونا الرمزية وربط العلوم ببعضها؛ رحلات ميدانية، قراءات في الشعر والأدب والمسرحيات، بل علمونا ألا نتقبل أي فكر قبل الدراسة والتحليل والمقارنة، ومن ثم لنا مطلق الخيار في أن نقبله أو نرفضه، ولولا هؤلاء المعلمون والمعلمات لما خرج منا جيل من المفكرين والكتاب والقياديين.
واليوم نجد أن البيئة التعليمية في أشد مراحل الفقر ثقافيا وتهيؤا لها، لا رحلات ميدانية ولا ندوات ثقافية أو علمية، والهيئة التعليمية تئن تحت ضغوط الأعباء الإدارية المضافة إلى نصابهم التعليمي، حيث يحاسبون على الكم لا النوعية، خاصة بعد ظهور الاختبارات الموحدة على الساحة، وتستخدم نتائجها كمعيار لتحديد ما إذا كانت المدارس قد نجحت أو فشلت، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهيئة التعليمية، اختبارات تعتمد في مجملها على حفظ المعلومات عن ظهر قلب، وبدلا من العمل على الارتقاء بمهارات الطلبة والوصول بهم إلى مستويات أعلى من الحوار والنقاش الفكري، نشجعهم على الحفظ والنقل دون استخدام العقل! الكل يعمل من أجل الاختبارات الموحدة، وتجهيز الطلبة لها حتى أولياء الأمور يدخلون أبناءهم في دورات وبرامج لتعزيز تمكن أبنائهم من استراتيجيات أخذ الاختبار، وكل ذلك يجعل من الاختبارات قلب العملية التعليمية! أين ذهب الطالب؟ هل هذه هي الطرق التي يتم من خلالها حب التعلم؟ هل هذه الطرق هي التي تشجع على الفضول الفكري وتنمي مهاراته؟ نعم تحولت المساءلة إلى كابوس للمدارس، وبالتالي خرج لنا منتج من الطلبة والطالبات متمكن من المهارات الأساسية، جاهل بكل شيء آخر تقريبا، هل هذا ما نريده حين نفكر في تحقيق الرؤية وتجهيز الأجيال القادمة لتكون جزءا فاعلا فيها؟! لماذا نستمر في هذا النهج في حين أنه من الواضح أنه لا يعمل أو بالأحرى لا يحقق الأهداف المرجوة؟!
المشكلة أن التعليم أصبح صناعة وليس مهنة! خلال عملي في الجامعة، لاحظت أن الكثير من الطالبات ينقصهن الاستعداد لمطالب التعليم العالي، وماذا ننتظر من طلبة اعتادوا الاختبارات الموضوعية؟! وهذا ما جعلهم يفتقرون إلى مهارات كثيرة، منها صياغة الآراء والتفسيرات المعقدة أو المركبة ناهيك عن نقل كل ذلك إلى صيغة كتابية متكاملة وشاملة! لماذا يستمر التعليم العام في تخريج دفعات لا تمتلك المهارات اللازمة لمواصلة التعليم الجامعي؟! إن التركيز على الإجابات الصحيحة من متعدد أو الصح والخطأ يعلم الطلبة والتلاميذ أننا نعيش في عالم من الثنائيات؛ «يا أبيض يا أسود»! أين التشجيع على الإبداع والابتكار؟ أين مهارات التفكير والتفكير الناقد؟ كيف نتوقع منهم الحماس والشغف بالعلم والإنجاز عندما نجد أن ما يطلب منهم إعادة ما قدِّم إليهم دون زيادة أو نقصان؟! كيف نتوقع منهم مواجهة تحديات المستقبل واتخاذ القرارات أو دراسة الخيارات، وهم لم يتعرضوا لكيفية التعامل مع الفروق الدقيقة والتعقيدات في المواقف الحياتية؟! كيف نتوقع منهم منافسة العالم وهم يجهلونه، بل لا يشجّعون على الخوض في مناورات فكرية معه، كطلبة مدارس على الأقل؟!
نحن خذلنا أبناءنا وبناتنا الطلبة بتحويلهم إلى مستهلكين في حين نحن بحاجة إلى بنّائين للعلم والمعرفة، إن الدرجات التي يلهثون وراءها لا تخلق جيلا فاعلا، ولا تقدم تعليما تقدميا حديثا، إن الحفظ والنقل لا يعني ذكاء، والدرجات الكاملة لا تدل على تمكن من مهارة! حين يكون التعليم سلعة بالتأكيد سوف يكون الطالب مستهلكا سلبيا، وحين يكون التعليم إعدادا وتمكينا هنا يصبح قادرا على سبر غَوْر المستقبل بسلاح الفكر والقلم والقدرات، وبهذا نستطيع أن نقول إننا بدأنا عصرا ذهبيا جديدا للتعليم في بلادنا.