تابعت كغيري ما يقال ويكتب في كثير من وسائل التواصل والصحافة والفضائيات المحلية والعربية والعالمية عن بلدنا المملكة العربية السعودية، فخرجت من ذلك - بعد مزيدٍ من التأمل، بما يلي:
1 - بلدنا كما هو معلوم مستهدف ومحسود، وتدبر له المكائد، وكل ذي نعمة محسود، ولكن الأمر كما قال تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط)، وقوله: (شيئا) نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم، فلا ضرر وإن قل.
 ودلت الآية الكريمة أنه إذا تحقق الشرط (الصبر والتقوى) تحقق المشروط (السلامة من ضرر مكائدهم)، لأن خبر الله صدق، ووعده حق.
2 - هناك أناس - هداهم الله- ينازعون الأمر أهله، مع أن من مقتضيات البيعة لولي الأمر: عدم منازعته الأمر،
كما جاء في الحديث: (وألا ننازع الأمر أهله)، وما كان ينبغي لأي شخص ينتمي إلى هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية - مهما وجد في نفسه - أن يكون ظهيراً للمجرمين في الخارج، ولا أن يكون مادةً إعلاميةً لقنواتٍ لها أهدافها المناوئة، يفرح باستضافتهم له، ويتوهم أنه علامة زمانه، والفقيه بالسياسة، والواقع أنه لا يعلم حقائق الأمور السياسية، بل وليس ملزما بعلمها، لأنه كفي المؤونة، وإنما هو ملزم شرعا (بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم)، ومنهي عن (منازعة الأمر أهله)، فترك - مع الأسف- ما أمر به، وفعل ما نهي عنه، وهذا من الخذلان والإعجاب بالنفس، وقديماً قيل:
وقال الطانزون له فقيه
فصعّد حاجبيه به وتاها
وأطرق للمسائل أي بأني
ولا يدري لعمرك ما طحاها
وأصحاب القنوات المناوئة، يظهرون التعاطف مع هذا الصنف من الناس، وهم لا يحبونه ولا يحبون وطنه، لكنهم يحتفون به مؤقتاً ليقضوا به مرحلة، ثم ينفضون عنه، وهو يفعل ذلك ربما لزعمه أنه حسن النية، ومن كان عنده
علم بالشريعة يعلم أن سلامة النية لا تعني صحة العمل، فلا ينفع منتقد وطنه عند الأعداء، أن يدعي أنه حسن النية، ومحب لوطنه، وقد أخبرنا الله تعالى عن قومٍ ضل سعيهم في الحياة الدنيا مع أنهم (يحسبون أنهم يحسنون صنعا)، وأخبرنا عمن (زين له سوء عمله فرآه حسنا)، فكون الإنسان يعتقد أنه يحسن صنعا، وكونه يرى أن عمله حسن حسب نيته، هذا الحسبان وتلك النية لا تنفعه، كما لم تنفع الضالين قبله، وهل يقول عاقل إن انتقاد الإنسان أهله ووطنه وقيادته أمام العالم، وأمام الجهات المعادية المتربصة -مهما كانت نيته - هل يقول إن ذلك عمل صالح؟ لاسيما وهو ينتقد أمورا لا يعلم حيثياتها، بل وليس ملزماً كما تقدم بعلمها، لأن القيادة ليست له، وإنما لولي الأمر، لكنه -بسبب مخالفته للشريعة - ينازع الأمر أهله، والعاقل في نظري لا يقدم مصالحه الخاصة العاجلة، على المصالح العامة، مع أنه في حقيقة الأمر، إذا لم تتحقق المصالح العامة، فلن تبقى له مصالح خاصة.
3 - مهما ادعى بعض الغاضبين والمعارضين في الخارج من وجود الأثرة، ومهما صار عندهم من الكراهية، فإن هذا ليس حجة لهم عند الله في مناوأتهم لوطنهم وقادتهم، لأن هذا المسلك مخالف لكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، مع أن كراهيتهم لشيء ليست هي الميزان للصواب والخطأ، بل ربما كرهوا - لجهلهم- أمرا حسنا.
ولو نصحوا لأنفسهم لعملوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث المتفق على صحته: (ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، لم يقل: فنابذوا أو فعارضوا أو فهيجوا أو تظاهروا أو ارتموا في غرف قنوات العدو مهيجين ضد ولاتكم ووطنكم، لم يقل ذلك، بل قال (فاصبروا). ولو كان أي تصرف أحسن من (الصبر) لذكره رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو أنصح الناس وأعلمهم وأفصحهم وأتقاهم وأشجعهم.
وفي الحديث الآخر المتفق على صحته كذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات فميتَةٌ جاهلية)، ولا أظن مسلما يخشى الله يسمع هذه الأحاديث إلا ويعمل بها، لأنه يعلم أن الله سائله كما قال تعالى (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين)، ماذا سيجيب ربه إذا قال له بلغك رسولي بهذه الأحاديث، فلماذا خالفتها؟!
4 - المملكة العربية السعودية فيها فضائل وخصائص وأعمال طيبة كالجبال، لا توجد في أي بلد في الدنيا، كطباعة المصحف الشريف، وترجمة معانيه إلى لغات العالم، وتوزيعه مجاناً، وخدمة الحرمين الشريفين، ونصرة التوحيد وأهله، ونحو ذلك مما يصعب حصره، فكان من المهم بيانها والإشادة بها، لا أن يكون صبوحنا وغبوقنا هو النقد، وجلد الذات، فالاتزان مطلب، وكثرة النقد لكل شيء لها آثار سلبية- في نظري- لاسيما على الشباب، لأنه يولد النظرة التشاؤمية السوداوية، وفي الحديث: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم).
5 - إن قضايا الأمن والوطن مهمة جدا، والناصح لدينه ووطنه، يطالب الجميع أن يسهموا في حفظ أمن وطنهم، كل حسب قدرته، ولو بشطر كلمة، ويشجعهم على ذلك، لأن الجميع في سفينة، وخرق السفينة من أي فرد سبب لغرق الجميع، ومنع العابثين من خرق السفينة سبب لنجاة الجميع، وليس من النصح ما يفعله بعض المزايدين، الذين يقللون من جهود الآخرين في خدمة وطنهم، أو يشككون بها، وكأنه لا يحب الوطن ويدافع عنه إلا هم حصريا، أما غيرهم من الأشخاص والجهات فإنهم - في نظرهم - لم يقوموا بالواجب، وهذا والله ليس من الدين ولا من العقل ولا من مصلحة البلاد والعباد.
6 - إن البناء المتين - كما قال الملك عبدالعزيز - لا يؤثر فيه شيء مهما حاول الهدامون هدمه إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول، ولهذا فإني أنصح نفسي وكل من يطلع على هذا المقال ألا يكون ثغرة في سور الوطن، تدخل منها معاول الأعداء.