اليوم وعلى ضوء رؤية واضحة المعالم ومحددة الأهداف، نجد أنفسنا كمتخصّصين في التربية والتعليم، أمام تحدّ يستمد أهميته من أن المطلوب هو تجهيز المواطن المستعد القادر على تحقيقها، ولكي نبني جيلا قادرا يجب أن نحرص على مساعدته في بناء وتنمية صفات معينة، يعمل عليها حتى تصبح جزءا من شخصيته، نريد التفرّد والتعدّد، ولكن في فسيفساء متناغمة الألوان والأشكال، جمال قادر على التوسع والانتشار دون المساس بحقوق الآخر، ولكن في الوقت ذاته قادر على حماية حقوقه، جيل واع يعرف أين هو من العالم؛ يقدر قيمته وثقافته وتراثه، يعي أن أهمية هويته تكمن في استخدامها للبناء والارتقاء ليس فقط بمجتمعه المحلي، بل بالعالم من حوله، يعرف ماذا يسأل؟ ومتى يسأل؟ يعرف متى يصغي؟ وكيف يصغي؟ ولمن يصغي؟ يعرف أن له دورا، وأن له صوتا، وأن له قدرة على إحداث التغيير إذا لزم الأمر، يدرك تماما ماذا يعني أن يكون مواطنا وماهية المواطنة؟ ليس تابعا بل قائدا وقدوة في جميع المجالات، إذًا دور المدارس يجب ألا يكون فقط مجرد وسائل نقل للمعرفة، بل أيضا أماكن يتعلم فيها الطلبة عن المجتمع الذي ينتمون إليه، كيف يصبحون أعضاء فاعلين منتجين؟ وكيف يمكنهم مواجهة التحديات من أجل التغيير حين يكون التغيير لازما ومبررا؟
هل يكفي أن نقوم بإنزال الأبناء كل صباح أمام المدارس لتعلم القراءة والكتابة والعلوم والتاريخ، وربما تعلم مهارات التواصل وبناء صداقات؟ أم أننا نهتم إلى جانب ذلك بالتجهيز والإعداد اللازم بالمهارات المطلوبة لسوق العمل والنتائج العالية للاختبارات الموحدة التي أصحبت من أساسيات القبول الجامعي؟ هل هذا هو دور المدرسة؟ هل المدرسة هي الاختبارات الموحدة؟ هل الإصلاح يعني التركيز على التنافسية؟ هل نحن مهتمون بماذا يتعلم أبناؤنا؟ وكيف يتم التعليم؟ يغلب على ظني أن الغالبية ستجيب بـ»نعم»، فليست النقاشات الدائرة والمستمرة عند كثير من شرائح المجتمع إلا دليلا على اهتمامنا بما نعلّمه في المدارس، عن نوع المجتمع الذي نأمل في بنائه وتطويره، وعما إذا كان علينا أن نبقي على مجتمعنا كما هو أو أن يتم تغييره رغم ما ينطوي ذلك على تحديات للمعتقدات والأفكار التي سادت يوما، وحدّت من تحرك عجلة التقدم.
نعم إن مملكتنا الحبيبة التي نتمنّى لها دوام البقاء والارتقاء، تقف على أساس ديني قوي، ينعكس بشكل واضح وجليّ في مناهجنا وبرامجنا، وبما أن المدارس تشكل تأثيرا حتميا على كيفية رؤية الشباب عالمهم والعالم من حولهم، فهي بالتالي أداة قوية يمكن استخدامها في تشكيل مجتمعاتنا ودفعها نحو الأفضل، وبما أن رؤية 2030 تتطلب من المواطن أن يكون على مستوى عال من الوعي والمسؤولية للمشاركة في القرارات المتعلقة بالقوانين والسياسات التي تؤثر علينا جميعا، أرى أن ما نحتاجه من المدارس اليوم هو أن تعمل على تجهيز طلبة بقدرات ومهارات إعادة تصور مستمر للمجتمع الذي يرغبون في العيش فيه بناءً على متغيرات عالمية مؤثرة تحدث من حولهم، لذا علينا إتاحة المجال لهم حتى يتعلموا كيفية طرح الأسئلة المركبة لمواجهة التحديات، ودراسة وجهات النظر المتعددة وتحليليها قبل التوصل إلى أي حكم أو قرار نهائي، نعم نريد منهم الاحترام والتقيد بالقواعد والقوانين التي هي من صفات المواطنة، ولكن في الوقت نفسه نريدهم أيضا أن يستخدموا حقهم في التساؤل والتفكير في أصول هذه القواعد والغرض منها، لا نريد مواطنا أعمى، بل نريد مواطنا يدرك تماما أهمية كل خطوة، والمسؤولية عن تبعات كل ذلك، نريد منهم بناء مجتمعات تشجع على تعدد الأفكار ووجهات النظر، واتباع الطرق المنطقية والواقعية التي توصلهم إلى استكشاف حلول للقضايا ذات الأهمية لشرائح عديدة من المجتمع، سواء كان ذلك محليا أو عالميا، يجب أن تتاح لهم دراسة القضايا المعاصرة المثيرة للجدل، وليس فقط تلك التي تمت تسويتها تاريخيا، أو من خلال القوانين الحديثة مثل قضية قيادة المرأة للسيارة، ولن يكون لهم ذلك إذا لم تقم المدارس بإتاحة المجال أمامهم لفتح أبواب الجدل والحوار لفهم الواقع من حولهم، وللتمكن من المساهمة فيما بعد بوضع الحلول والقوانين بما يخدم مجتمعاتهم، فنحن لا نريدهم في آخر الركب، ولا نريدهم مسوخا أو مستهلكين سلبيين، والتجارب من حولنا تفيد بأنه من دون التساؤل والمراجعة والتأكد لا يمكن أن يكون هنالك أي مجال للتقدم، وعليه فإن ما نحتاجه من المدارس هو تمكين الطلبة من التحرك الإيجابي من خلال تزويدهم بالأدوات التي يحتاجونها، ليس فقط من أجل النقاش والحوار في القضايا التي تهمهم، بل أيضا من أجل بناء التصورات، ومن ثم العمل حتى تصبح هذه الرؤى حقيقة وواقعا.
الخلاصة أن ما نصبو إليه هو بناء مجتمع متكاتف متعاون من شباب نشط قادر على التفكير بنفسه، ومستعد ومجهز لأن يكون له نفوذ في الحياة العامة، حيث يمتلك القدرات اللازمة للتمكن من وزن الأدلة والتأكد من الحيثيات والمعطيات قبل التواصل أو التصرف، شباب متحمس للانخراط في المجتمع، ومهتم بخدمة وطنه ومجتمعه وأمته، واثق بتميزه، فخور بانتمائه، متمكن من خلق فرص العمل والتطور له ولغيره.