هذا الملك الصالح الذي أمضى حياته كلها في التأسيس والبناء والوحدة والتنمية، لم يشغله ذلك عن نصرة العقيدة وأهلها
الملك المؤسس عبدالعزيز، رحمه الله، مجدد لهذا الدين كما قال ذلك العلامة الشيخ صالح الفوزان، حفظه الله، وموحد للبلاد، ومؤسس لهذا الكيان، ومهندس للنهضة والتنمية، قال عنه الفرنسي جان يينيز: (إن الملك ابن سعود إذ يموت وهو الذي أطلق عليه الإنجليز اسم «نابليون الجزيرة العربية»... أنجز المعجزة، لقد أخرج ابن سعود من الرمال أمة جديدة)، وقال عنه البريطاني كنيث وليامز (هل بين ملوك المشرق من يضارع ابن سعود؟ لا أذكر حاكما قويا يخشى الله قد وصل إلى مكانة هذا الملك، فلا شك أنه لا يعدله ملك في العالم الإسلامي)، وقال عنه معالي الشيخ التويجري، رحمه الله: (رحم الله مؤسس دولتنا الحديثة -الملك عبدالعزيز- فقد أسلمها لأهله وشعبه آمنة مستقرة بعد أن بذر فيها أفضل البذور، وغرس على ترابها أفضل الأشجار، وسقاها بعرقه ودمه وكدحه، وذاد عنها الطير حتى نضجت الثمرة، بعد معاناة وجوع وظمأ وشح عليه وعلى رجاله بأبسط العيش).
وأما عطفه على شعبه وتسامحه فهذا أمر مشهور، ولهذا آلت الأمور إلى محبة الجميع له -من نصره ومن ناوأه- لقد تحول خصومه إلى أعوان له ومحبين، يعامل رعيته كأبنائه، ولو قيل للجالسين معه على مائدته ممن كانوا على خلاف معه، نريد نعرض تساؤلات عليكم عن الملك عبدالعزيز، لبادروا جميعا بقولهم: ألغ تساؤلاتك، فنحن من يملك أعظم شهادة للملك عبدالعزيز وأصدقها، إنه من أبر الرجال وأعفهم وأسمحهم، لقد أكرمنا وحفظ لنا مكانتنا، وقد حفظت الوثائق أنه قال لأحد مناوئيه النادمين: (جميع الفايتات أرفعها، دمدوم وجرف مهدوم... ولن ترى ما يغث خاطرك، ولا ينقص في حقك، وتأتي ظالما، وتعود سالما...)، وقال أيضا: (ما قد أخذنا والحمد لله ثأرا لأنفسنا، ولا قدمنا هوانا على الأمر الذي نرتجي به رضا الله وعفوه، ولا لنا غاية إلا راحة المسلمين عموما، ونقدم إن شاء الله رضا الله على هوانا، وكثرة الكلام ما منه فايدة، الله أعلم بالسريرة، نرجو إن الله يظهرنا على قدر غايتنا للمسلمين).
هذا الملك الصالح الذي أمضى حياته كلها في التأسيس والبناء والوحدة والتنمية، لم يشغله ذلك عن نصرة العقيدة وأهلها، لعلمه أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الغاية من خلق الجن والإنس، وأن العزة إنما تكون بالتمسك بالدين وأحكامه، وأن من أراد العزة بغير نصرة التوحيد أذله الله، وهذه إحدى رسائله النافعة، وجهها إلى من يراها من المسلمين في وطنه، جعلها الله في موازين حسناته، قال فيها:
(من عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لسلوك الصراط المستقيم، وجنبهم طرق أهل الجحيم...آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فإن أوجب الواجبات على جميع المكلفين، توحيد رب العالمين، وهو إفراد الله بالعبادة، والبراءة من عبادة ما سواه، واعتقاد أن كل معبود سوى الله باطل، وأن من عبد غير الله فهو كافر، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا سواه، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، ثم تفهمون أن الله سبحانه منّ علينا وعليكم بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، وإظهاره لدين الإسلام، وإيضاح ذلك بالأدلة والبراهين من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وقد بلغنا عن أناس يدعون أنهم على طريقته أمورا مخالفة لما هو عليه، وهي أنهم يتجاسرون على الإفتاء بغير علم، ويطلقون التكفير والتضليل بغير علم، بل بالجهل ومخالفة الدليل، ويتناولون النصوص على غير تأويلها، ويسعون في تفريق كلمة المسلمين، ويتكلمون في حق من لم يسعفهم على ذلك من علماء المسلمين بما لا يليق... فمن كان ثابتا عنده أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- مجدد لهذا الدين، الذي هو توحيد رب العالمين، ومتابعة سيد المرسلين، فهذه كتبه مشهورة فليعتمد على ذلك... ومن كان عنده شك فليسأل الله الهداية، ويطلب بيان ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويسأل من يثق به من العلماء المحققين، إذا فهمتم ذلك فاعلموا -هداكم الله- أننا إن شاء الله بحول الله وقوته أنصار لمن دعا إلى ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، قائمون بما قام به أجدادنا الذين نصروه، ومن خالف ذلك إما بتفريط أو إفراط، فلا يلومن إلا نفسه، وليعلم أننا قائمون عليه، ومنفذون فيه ما يقتضيه الكتاب والسنة، والله والله لأؤدبه بهما أدبا يتأدب به الأولون والآخرون، ومن أنذر فقد أعذر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).
وكما ترى أخي القارئ الكريم تضمنت هذه الرسالة النافعة عدة أمور:
منها: الدعوة إلى التوحيد، وبيان فضله، ومنها: أن الإمام محمد بن عبدالوهاب لم يأت بجديد، وإنما دعا إلى ما دعا إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومنها: أن الملك عبدالعزيز وأسلافه هم أنصار دعوة التوحيد الخالص لله تعالى، ومنها: أن الإمام محمد بن عبدالوهاب بريء ممن ينتسب إليه وهو مخالف لمنهجه ودعوته، ومنها: حماية الملك عبدالعزيز وأسلافه الذين مضوا لدعوة التوحيد من الجهلة والدخلاء والغلاة، أسأل الله أن يرحم الملك عبدالعزيز، وأن يحفظ ذريته ويجمعهم على الحق والهدى، وأن يوفق ولي أمرنا الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان لكل خير.