اليوم يتحدث الناس عن ألفاظ حادثة، بعضهم يُسوِّغ من خلالها معنى باطلا، وبعضهم يريد من خلالها معنى صحيحا، وعادة أهل الأهواء أنهم يصفون باطلهم بألفاظ جاذبة ليوهموا من لا يعرف الحقيقة

طريقة أهل السنة والجماعة هي التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية، والحذر من إطلاق الألفاظ المجملة أو الموهمة، لأن الإجمال قد يتضمن معنى باطلا ومعنى صحيحا في آن واحد، فيكون رده ردا لما تضمنه من حق، وقبوله قبولا لما تضمنه من باطل، والموقف الصحيح من هذه الألفاظ والمصطلحات المجملة، هو البيان والاستفسار، فيقبل ما فيها من حق، ويُرَد ما فيها من باطل، وقديما قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في نونيته:
وعليك بالتفصيل والتبيين فا
لإجمال والإطلاق دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا
الأذهان والآراء كل زمان
وإنما قلتُ: التعبير باللفظ الشرعي أولى لأنه صالح لكل زمان ومكان، ولا لبْس فيه، بخلاف لفظ غيره، وإن شئتَ أخي القارئ مثالا فهذا مصطلح (لبس المخيط) يورده الفقهاء في محظورات الإحرام، مع أن هذه العبارة (لبس المخيط) لم يذكرها الله تعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، بل ولا الصحابة رضي الله عنهم، ويُذكَر أن أول من قالها إبراهيم النخعي، ولم يكن يرد بها منع كل ما به خياطة، وإنما أراد منع المُحْرِم من لبس ما خيط على قياس عضو من البدن.
ولما كانت هذه العبارة ليست واردة عن معصوم، صارت موهمة لكثير من المسلمين، فمنهم من يسأل عن لبس الساعة أو حزام الإحرام أو النعال ونحوها إذا كان فيها خيط، هل يصح لبسها حال الإحرام أم لا؟ ومنشأ هذه الأسئلة هو عبارة (لبس المخيط)، بينما كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضح لا لَبْسَ فيه، وصالح لكل زمان ومكان، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره، فقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ (لا يلبس المحرم الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السراويلات...).
ولما عدل بعض الناس إلى الألفاظ الموهمة أو المجملة أو المحدثة، صار ذلك سببا لنزاع كثيرٍ من الناس، حتى صرنا نرى أناساً يختلفون وهم في الحقيقة متفقون، لكنهم جهال في حقائق ما يختلفون فيه، بسبب إطلاقهم ألفاظا مجملة نفيا وإثباتاً، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (كثير من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة، ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره، فضلا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئا، بل يكون قوله نوعا من الصواب، وقد يكون هذا مصيبا من وجه، وهذا مصيبا من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث).
واليوم يتحدث الناس عن ألفاظ حادثة، بعضهم يُسوِّغ من خلالها معنى باطلا، وبعضهم يريد من خلالها معنى صحيحا، وعادة أهل الأهواء أنهم يصفون باطلهم بألفاظ جاذبة ليوهموا من لا يعرف الحقيقة، فالمعتزلة يطلقون على أحد أصولهم الخمسة لفظ (التوحيد)، ويقصدون به معنى باطلاً، وهو (نفي الصفات)، وإنما استخدموا لفظ (التوحيد) لترويج باطلهم، بهذا اللفظ الجاذب، وأهل الأهواء يطلقون ألفاظاً مُنفِّرة على من يقوم بأعمالٍ صحيحة، كقولهم (المجسمة والحشوية والوهابية والجامية)، وهي ألفاظ ابتدعوها للتنفير من الحق، ما أنزل الله بها من سلطان، والراسخون في العلم لا يقبلون الباطل وإن أُلبِس عباراتٍ أرقَّ من الحرير، ويقبلون الحق وإن أُلبِس عبارات رديئة، فهمهم مصروف إلى معرفة المعاني.
ومن تلك الألفاظ الحادثة مصطلح الصحوة، هذا اللفظ يُطلقه بعض الناس على من سلك طريقة الحزبيين، ويُطلقه آخرون على النشاط في التمسك بأحكام الشريعة، فصار هذا اللفظ المحدَث المجمَل غطاءً لطائفتين خاطئتين، إحداهما: تروج للصحوة الحزبية، مستدلين بمدح بعض الفضلاء للصحوة، مع علمهم بأن الصحوة التي يمدحها أولئك الفضلاء ليست صحوتهم الحزبية، لكنهم يفعلون ذلك للتلبيس.
وثانيهما: الذين يستغلون نقد بعض الفضلاء للصحوة في نقد كثير ممن نشط في التمسك بأحكام الشريعة، بعد أن كان غافلا عن بعضها، مع علمهم بأن الصحوة التي يذمها أولئك الفضلاء، هي الصحوة الحزبية التابعة لجماعة الإخوان المتزامنة مع الثورة الخمينية، وليست إقبال الناس على دينهم بنشاط، التي يسميها بعض الفضلاء صحوة، والأولى ألا تُسمّى بذلك، فالألفاظ الشرعية، فيها غنية عن هذه الألفاظ المجملة.
ولهذا كان الصحابة يستعملون لفظ (راعِنا) يريدون به معنى صحيحا، لكن اليهود يطلقونه ويريدون به معنى باطلا، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظُرنا)، فلفظ: انظُرنا، لا يحتمل إلا معنى صحيحا.