خلال الأسابيع الماضية أصبح الكاتب العربي الكبير أمين معلوف ضيفا مقيما على المنضدة التي تحتضن سلة الأفكار والقصص والخيالات التي تمدني كل يوم، خصوصا في لياليه الواشنطنية الباردة، بأجمل الرحلات الفكرية أكثرها تنوعا وعمقا، وفي أحيان كثيرة ألما بفعل التعب الذي ينهك جفوني نتيجة العناد الذي ينتاب عقلي رفضا لوضع تلك الرواية التي خطها خيال معلوف جانبا والذهاب للغوص في أعماق محيط النوم والأحلام مثل أي إنسان طبيعي.
منذ أكثر من عشر سنوات ورواية «الحروب الصليبية» لمعلوف تقبع على أرفف مكتبتي دون أن أقرر ولو مرة واحدة أن أبدأ في رحلة البحث والسفر في خيال هذا الكاتب الذي اعترف به الغرب وقدره أكثر مما قدره العرب أبناء جلدته، ولعل لكونه يكتب رواياته باللغة الفرنسية أصبح البعض يراه غريبا أو غربيا رغم أنه في الأصل ابن جلدتنا ووليد فكر مجتمعنا العربي المترامي.
لم أبدأ في تلك الليلة في قراءة روايته الآنفة الذكر، بل قررت وبفعل ما سمعته مرارا وتكرارا خلال السنوات الماضية أن أبدأ برواية «سمرقند» التي كان لها من التأثير الإبداعي والفكري والخيالي والجمالي فِيَّ الشيء الكثير والكبير والذي يمكن وصفه بأنه تأثير أيقظني في حقيقية أن الخيال الإنساني في أحيان كثيرة قادر على أن يقتلعك من مكانك ويضعك في عالم أشبه ما يكون بمسرح لا تعلم إن كنت أنت من يؤدي دور الحقيقة، أم أن العالم من حولك هو من يؤدي دور الخيال.
إذا كانت البداية بسمرقند التي أخذتني في رحلة ممتعة مع عمر الخيام ولتعرفني عبر العصور بجمال الدين الأفغاني وبإيران البهلوية بكل أوجهها المتناقضة، ولأجد نفسي بعد أن انتهت تلك الرحلة بعد أيام من كارثة التايتانيك على ضفاف الولايات المتحدة الأميركية، أبدأ بالغوص في رواية أخرى لمعلوف هي «ليون الأفريقي» وتأخذك لحياة (ليون) أو (حسن) والذي ولد غرناطيا قبيل طرد المسلمين من الأندلس، وليصبح بحكم الظروف رحالا بين المدن والعواصم المتناقضة، ليشهد التقلبات الفكرية والاجتماعية في زمن ربما كان أبلغ وصف له أنه شهد الانـحطاط الإنساني وعاش مرحلة إعادة الولادة لأمم ودول تحولت بفعل القدر، وربما بفعل الزمان، إلى أشياء أخرى أبسط ما يمكن القول حيالها إنها سريالية.
مؤخرا بدأت رحلتي الثالثة مع معلوف في روايته «حدائق النور» والتي استقبلني عند ناصية الصفحات الأولى شخص من القرن الثاني الميلادي اسمه (باتنغ) لأسترق السمع لحوار بينه وبين أحد الأشخاص حول موضوع أعتقد أنه فلسفي في أساسه، لا أعلم بعد حقيقة مقصده فيما سمعته، ولكني متأكد أن الحقيقة ستظهر في الأيام والليالي الآتية.
ربما أعود إليكم بعد أن أنهي رحلة أخرى مع معلوف في هذا السفر الذي يبدو أن لا نهاية له، فقد اصطفت مجموعته الكاملة أمامي على أرفف مكتبتي هناك، والتي أشاهد بينها كل ليلة تلك الرواية العجوز «الحروب الصليبية» التي تعاتبني كلما انتهيت من رواية وهممت بأخرى لتقول بصوت عمره أكثر من عشر سنوات منتظرة (متى موعدي؟).