مما يزيد زخم المناسبة هذا العام، هو أنها تأتي في ظل توجه الدولة نحو تحقيق خطة التحول الوطني، ورؤية المملكة 2030 التي ترمي إلى تحقيق عدد من الأهداف التنموية، والتي من أبرزها استنباط مصادر جديدة للدخل

يتشرف أعضاء مجلس الشورى اليوم بلقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بمناسبة افتتاح أعمال السنة الشورية الثانية من الدورة السابعة للمجلس، حيث يلقي «رعاه الله» خطابه السنوي في ظل ظروف بالغة التعقيد، يمر بها العالم أجمع والمنطقة العربية على وجه الخصوص، نتيجة لتزايد التدخلات الإيرانية السالبة في شؤون دول المنطقة، واستمرار الأزمات السياسية في سورية والعراق وليبيا، بجانب تطورات الأوضاع في اليمن، إضافة إلى إعلان هزيمة الدواعش وفلول تنظيم القاعدة في سورية والعراق، وتداعيات اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وما صاحب ذلك من إجماع عالمي برفض الخطوة، وغير ذلك من المستجدات التي تشهدها المنطقة. كما أن هناك تحديات كثيرة على الصعيد الداخلي في مقدمتها استمرار انخفاض أسعار النفط، والحرب على الفساد، والسعي لتطوير الاقتصاد السعودي وغير ذلك.
هذا الوضع الدقيق يستلزم من جميع أجهزة الدولة بذل المزيد من الجهود لتحصين الجبهة الداخلية، وحث المسؤولين في مختلف الإدارات والمواقع، وتحفيز المواطنين على أن يكون كل منهم عينا تحرس ويدا تبني، كما أن هناك مسؤولية خاصة ملقاة على عاتق أعضاء المجلس، تتمثل في ترقية الأداء، والعمل على زيادة وتعزيز التناسق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، للقيام بالدور المطلوب منهما في تفعيل ومراقبة الأداء الحكومي، وهو الدور الذي أجزم أن إدارة المجلس الموقرة تدرك أبعاده جيدا، وتعمل في إصرار شديد على تحقيقه.
وإدراكا لأهمية هذا التناسق، فقد حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان والملوك الذين سبقوه على الحضور إلى المجلس، ومخاطبة أعضائه، وإيضاح سياسة الدولة، ورغم تعاظم المهام وكثرة المشغوليات فقد دأبوا على تشريف هذه المناسبة، لتحديد السياستين الداخلية والخارجية للدولة. ويتوقع في خطاب الملك أن يكون شاملاً وجامعاً، يحمل في مضامينه القضايا الوطنية، والنهج التنموي الذي تتطلع إليه الدولة، وتسعى إلى تحقيقه في كل المجالات، لمواصلة المسيرة التنموية الشاملة والمتوازنة، التي تلبي احتياجات المواطنين، وتحقّق تطلعاتهم، كما سيتطرق الخطاب بلا شك إلى القضايا السياسية الإقليمية والدولية الراهنة وموقف المملكة منها. وستكون أمام الأعضاء الكرام فرصة ذهبية وهم يلتقون بقائد المسيرة، وحادي الركب، للاستنارة برؤيته، حول كافة القضايا، لاسيما في ظل وجود هذه التحديات الكبرى التي تواجه الأمتين العربية والإسلامية.
ولا شك أن أعضاء مجلس الشورى سوف يكونون أكثر الناس سعادة بالاستماع إلى تفاصيل السياسة السعودية، مباشرة من المسؤول الأول في هذه البلاد، الذي يحرص على الالتقاء بهم، وإحاطتهم بالأوضاع، داخليا وخارجيا، وموقف المملكة من كافة القضايا التي تهم المنطقة، وكيفية التعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وتتم إحاطتهم بملابسات وتفاصيل هذه القضايا بإسهاب كبير، مما يعينهم على تحويل تلك الرؤية إلى حقيقة معاشة على أرض الواقع، وتسهل عليهم الانطلاق في أداء عملهم. وتكمن أهمية هذا الخطاب في أنه يمثل مرجعية ودليلا وهاديا للأعضاء لرسم الخطط المستقبلية، ففيه مضامين مهمة للعمل على مصلحة الوطن والمواطن، وهذه أهم رسالة يجب أن يلتزم بها أي مواطن يعيش على أرض الوطن أو خارجه، وتأكيده على أعضاء الشورى بالاهتمام بمخرجات عمل المجلس في مختلف الميادين والقضايا المطروحة تحت قبته سواء داخلية أو خارجية.
ومما يزيد زخم المناسبة هذا العام ويعطيها خصوصية فريدة وطابعا متميزا، هو أنها تأتي في ظل توجه الدولة نحو تحقيق خطة التحول الوطني، ورؤية المملكة 2030 التي ترمي إلى تحقيق عدد من الأهداف التنموية في المملكة، والتي من أبرزها استنباط مصادر جديدة للدخل، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، التحول للاقتصاد المعرفي وخلق التنمية المستدامة التي تؤدي إلى تحقيق النهضة الشاملة، دون إهدار الموارد والمقدرات وحرمان الأجيال المقبلة منها، إضافة إلى تقليل البطالة وسط الشباب، وإيجاد فرص لهم، وتمكين المرأة وزيادة نسبة مشاركتها في تحقيق الدخل القومي، إضافة إلى العديد من القضايا التي هي ضمن أولويات الاقتصاد والمجتمع السعودي، ومنها تفعيل الرقابة الحكومية، ومراقبة أوجه صرف المال العام ليكون في مقدمة مهام المجلس، لاسيما بعد أن قطعت المملكة خطوات واسعة في سبيل مكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق الحكومي، والتشدد في مراقبة واستلام المشاريع الحكومية، صونا للمال العام من أيدي العابثين.
ويبقى التحدي الرئيسي هو تحويل مضامين الخطاب لتكون خارطة طريق لعمل المجلس، والاعتماد عليه لرسم القرارات الرشيدة، ومواصلة السير على ذات السياسة السعودية الرصينة في كافة المجالات، سياسيا واقتصاديا وتنمويا، مع استصحاب التغيرات التي حدثت على الصعيدين الداخلي والخارجي، إضافة إلى مراجعة الأداء خلال العام المنتهي من عمر المجلس، وهو عام حفل بالعديد من الإنجازات، اعتمد فيه الأعضاء على العمل وفق المنهج الذي اختطه الملك سلمان خلال لقائه السابق بأعضاء المجلس، عندما أكد على ضرورة توفير بيئة العمل المحفزة والجاذبة والمستقرة للموارد البشرية الوطنية، لتولي مسؤولية النهوض الاقتصادي بالوطن في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب رفع مستوى مشاركة القوى الوطنية في سوق العمل. وأن تسير منظومة العمل والتنمية الاجتماعية بالتكامل مع منظومة التعليم، بما يشمل التوسع في التخصصات التقنية التطبيقية التي تمكن مخرجاتها من المعارف والمهارات اللازمة لمتطلبات التنمية، وتعزز الإنتاجية في سوق العمل، لتحقيق ما تهدف إليه القيادة الكريمة. كما شدد الملك في خطابه على تفعيل الدور السعودي في محاربة الإرهاب، والتصدي له ولأخطاره، والتأكيد بعدم السماح لمن تسول له نفسه بالعبث بأمن بلادنا الغالية، وهي التوجيهات التي التزم بها الجميع. فمرحبا بالوالد خادم الحرمين الشريفين وسط أبنائه وبناته من أعضاء المجلس الذين هم في شوق كبير للقائه والاستنارة بتوجيهاته السديدة.