مثلكم جميعاً أسمع لغة المشاريع بالمليارات، ولم تعد تلك الكلمة تحرك ساكناً أو تثير أي دهشة. ولا يكاد يمر يوم واحد دون لغة ـ مليارية ـ جديدة على الشريط الإخباري لقناتي المفضلة. تمر أمامي من اليسار إلى اليمين وأنا أقرؤها ساخنة، وبكل البرود، مثلها مثل أن يفوز الأهلي على الاتفاق بأهداف خمسة. قليل من لذة المفاجأة. خذ مثلاً أن أرامكو السعودية تنوي حزمة مشروعات بخمسين ملياراً وأن جملة مشاريع الشركة السعودية للكهرباء تحتاج ثلاثين ملياراً أخرى وأن المؤسسة العامة لتحلية المياه سترصد أربعين ملياراً لمشاريع توسعة طاقة المحطات خلال هذا العقد من الزمن. تابع بقية المشاريع لباقي الهيئات والمؤسسات. اجمعها كما شئت في يوم أو أسبوع أو شهر لتكتشف أن الحديث عن المليارات بات خفيفاً جداً على اللسان وأن مجموع مشاريع هيئتين اثنتين يوازي ضعف موازنة دولة أفريقية من الاقتصاد المتوسط. خذ بالمقاربة التي أملك عليها الدليل بالأرقام أن تكلفة بناء ملعب رياضي مقترح يساوي ربع موازنة دولة عربية وأن مشروعاً آخر من المعلن عنه قبل فترة يساوي بالضبط كامل موازنة دولة عربية ثانية.
والمهم قبل الأهم: المهم أن أسئلة الناس حول ولادة هذه المشاريع لم تنقطع. نحن نقرؤها في الشريط الإخباري كل يوم ولكن ذات الشريط لم يأخذنا أبداً إلى نهايات مادية ملموسة على الواقع والأرض لهذه المليارات. والأهم من هذا كله: كيف ستحاسبنا الأجيال القادمة على هذه اللغة ـ المليارية ـ حين يجدون أنفسهم ورثة بلا إرث؟ وكيف سيسألوننا عن هذه المليارات الملتهبة دون أن نترك لهم نصيباً أو نودع لهم منها ما يستحقونه فيها من وداعة؟ ماذا سيقولون لنا في المستقبل عندما يقرؤون أرشيفنا الورقي المليء بهذه المليارات التي نتحدث عنها ليل نهار وكأننا في حفلة عارضة أو في متجر للتقبيل؟
ماذا سيقولون لنا ونحن نتصرف مثل ثري عقيم يحاول نثر هذه المليارات في حياته لأنه يعلم أنه بلا ورثة؟