لا بد أن تدرس فكرة إنشاء جهاز مستقل يسمى هيئة محامي الدفاع السعودية تكون مهمتها الدفاع عمّن لا يستطيعون تحمل تكاليف تعيين محام

أصدر وزير العدل السعودي أخيرا قرارا تاريخيا بمعنى الكلمة، يتمثل في تكفل وزارة العدل بتأمين محام لكل من لا يقدر على دفع تكاليف محام كفء، ووضعت لذلك الضوابط حتى إنها قد حددت المبلغ المدفوع للمحامي المعين من قبل الوزارة بحد أعلى وأدنى، القرار تاريخي لا شك لأنه يمهد لبناء ثقافة قانونية تسهم في ألا يمثل أحد نفسه في المحاكم واللجان القضائية إلا عن طريق محام صونا للحقوق، كما أنه ضمانة لمن لا يستطيع توفير مصاريف المحامي أن يكون له حق التمثيل القانوني مثله مثل من يملك المال، وهذه المساواة مهمة لمن يبتغي عدلا لا يفرق بين غني وفقير.
 المحامون شئنا أم أبينا هم درجات وخبراتهم تختلف، والجيد منهم مكلف جدا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي سوف يمنع أي شخص من الكذب قولا أنه لا يستطيع التكفل بتكاليف المحامي؟ لهذا لا بد للضوابط القانونية أن تشير إلى وسيلة للتحقق من الملاءة المالية للشخص المطالب بمحام معين من قبل الدولة، بالإضافة إلى ذلك لا بد أيضا من التحقق لئلا يحتكر محامين بعينهم في موضوع الدفاع، ولا بد كذلك من وجود آلية للتحقق من أن المبلغ الذي يطالب به المحامي معقول نظير خدماته، كل هذه مشاكل متوقعة ما لم تنظم الوزارة الوضع، والأفضل أن يصدر دليل تنظيمي شامل للتسعير وخلافه، بيد أنه هناك فكرة أكثر انضباطا من الناحية المادية أكثر من تعيين محامين مؤقتين للدفاع من القطاع الخاص، كنت أقول دائما ومازلت أنه علينا أن ننظر إلى من سبقنا في الحضارة، ونرى ماذا فعلوا وسيفعلون، فالمعارف تنتقل بين الحضارات بطريقة تراكمية، ففي أميركا تلجأ البلدات الصغيرة التي لا تملك أموالا كافية لتنشئ بها مكاتب للدفاع العام كطريقة وزارة العدل السعودية في تعيين المحامين من القطاع الخاص، وأما إن كانوا يملكون مالا كافيا فسوف ينشئون على غرار مكاتب المدعين العامين مكاتب لمحامي الدفاع، وهؤلاء محامون حكوميون مهمتهم الدفاع عمن يثبت عدم قدرته المادية على تحمل مصاريف محام، لذا فإن رواتبهم ثابتة معلومة من الحكومة على عكس العقود مع المحامين السعوديين والتي ترغب الوزارة في تطبيقها.
 فكيف سوف تنظم وزارة العدل مسألة الساعات التي يقضيها المحامي بحثا في القضية؟ ليس علينا سوى الانتظار لمشاهدة النتائج، ولكن أتمنى أن تستبق الوزارة المشاكل قبل أن تبتدئ حتى، وهذا النهج مهم في العمل الحكومي، فلا أحد ينتظر وقوع مشكلة ليبدأ بالتحرك الإيجابي، لذا أعتقد أن الجهات المعنية لا بد أن تدرس فكرة إنشاء جهاز مستقل بمثابة استقلال النيابة العامة يسمى هيئة محامي الدفاع السعودية تكون مهمتها الأولى الدفاع عن المظلومين ممن لا يستطيعون تحمل تكاليف تعيين محام، بالإضافة إلى مهام أخرى قد تسند إليهم تبعا لطبيعة الحال، والأهم من ذلك وجود ضوابط واضحة للتأكد من المركز المالي للمتقدم إلى الخدمة.
 قد يغضب الكثير من المحامين مما قلت لكنها الحقيقة، فالتلاعب بعدد ساعات القضية شيء ممكن تماما والرقابة ممكنة، لكنها مكلفة كذلك، على نفس النسق إنسان يمثل ألا يستطيع التكفل بمصاريف محام! لا أريد أن يتكرر هنا نفس الخطأ الذي حصل فيمن يطلب مساعدة الضمان الاجتماعي والتي ظهر منها أن هناك أناسا لأعوام طوال وبلا رحمة استغلوا الثغرات القانونية بمساعدة أو بدون لأخذ ما لا يستحقون!