لن نتطرق هنا إلى التعمق في إِشكالية العقل والنقل في المنهج الإسلامي، فهذا الموضوع قد تم إشباعه عبر التاريخ ما بين مساند ومعارض، وهناك من يرى أن العقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، وطرف آخر يرى أن هناك تناقضا! ويذهب البعض إلى تقديم النقل لو تعارض مع العقل، ويذهب ابن القيّم ليقول إن تفضيل العقل هو كتقديم الرأي على الوحي مستدلاً بقولِه تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، أما الإمام ابن تيميّة فقد أفرد كتابا أسماه (درء التعارض بين العقل والنقل). ويستدل كثير من مؤيدي النقل أن العقل لا يخترق الغيب المحجوب ولا يمكنه معرفة المستقبل ولا أدري كيف سيكون رأيهم لو عاشوا إلى يومنا هذا وعاينوا تحديد الوقت للعواصف والخسوف والكسوف ومعرفة جنس الجنين قبل ولادته وهل هو ميت أم حي يرزق؟!
إن استخدام النقل وتغييب العقل جعل النظرة لكل اختراع أو اكتشاف على أنه عمل غير صالح. وللتاريخ ضحايا ليس لهم من ذنب إلا أنهم استخدموا عقولهم كجاليليو وهيباتيا وغيرهما! وفي المقابل فإن الاستخدام المفرط للعقل وإهمالِ الثوابت والإرث المتناقل قد أورث أمما جعلت لأنفسها عشرات الآلهة كما حدث لبعض الإمبراطوريات التي أصبحت ملاذا للأساطير، فاندثرت تلك الإمبراطوريات رغم عظمتها، كذلك فإن ذلك العقل جعل صاحِبه يتخذ البقرة والشجرة معبودا! والحقيقة أنه لا يوجد تعارض بين العقل والنقل، وإذا كان هناك ما يوهم هذا التعارض، فإما أن النقل غير صحيح أو أن العقل غير سليم.
نعود إلى مصدر التشريع الأول (القرآن الكريم) فنجده قد جمع بين (النقل) من قصص الأولين وكيف كانت سيرتهم عظة وعبرة لذوي الألباب وبين (العقل) الذي يطلب منه القرآن التفكر والتدبر والتأمل للاستدلال على الخالق وعظمته ولتحديد مسار العيش في الحياة الدنيا، ولا نبالغ إذا قلنا إن قرآننا العظيم لم يفهمه أحد كما فهمه الصحابة الأوائل، ولم يعمل به أحد كما عملوا به. ولعلنا نقول الحقيقة في أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم هم مؤسسو باب الاجتهاد المبني على الجمع بين سلامة العقل وصحيح النقل.
ونستدل هنا بقصص لعمر الفاروق رضي الله عنه، فعندما يسمع عمر بكاء رجل كفيف فيسأله ما بالك؟ فيقول قلة ذات اليد وضعف الحيلة، فيقول له أذِمّيٌ أنت؟ قال نعم يهودي، فيرد عليه عمر إذًا لا خير فينا أخذنا منك الجزية شاباً وخذلناك شيخا، ثم يأمر فتكون له حصته من بيت مال المسلمين، فيسأله حاجب بيت المال أخاصة له أم لجميعِ أهل الذِّمة؟ فيقول بل لعامتهم! ويزور عمر بيت المقدس فيأتي وقت الصلاة فيطلب منه كبير القَساوسة أن يدخل الكنيسة فيصلي فيها فيأبَى فيقول له صل خارجها فيأبَى ويقول أخاف أن يأتي من بعدي من يقول صلى عمر هنا ثم يغلبوكم على أمركم ويأخذوها منكم.