وتبدأ مقاطعة مخيفة من كل المجتمع لثلاثة هم كعب بن مالك وآخران هلال بن أمية الواقفي وآخر. يدور في الأسواق لا أحد يسلم عليه! يأتي بستانا لابن عم يحبه فيتسلقه عليه فلا يسلم عليه فيناشده الله ورسوله هل يعلم عنه إلا أنه يحب الله ونبيه فيجيبه بكلمة مقتضبة الله ورسوله أعلم!
يأتي للمسجد فيصلي فيتجنبه الجميع بدون سلام وكلام! إنه المنهي في الحديث معه! ويرمقه النبي بعينه في الصلاة، فإذا التقت عينه بعين النبي (ص) أشاح النبي (ص) وجهه عنه! إنها كارثة اجتماعية وموت بطيء فماذا يفعل؟
في هذه اللحظات يأتيه خطاب ملك الروم فالجواسيس شغالة وانتظار فرص تفكيك المجتمع النبوي مغرية! يقول الخطاب: بلغنا أن صاحبك جفاك فالحق بنا نواسك! إنها أيضا من البلاء! هكذا يردد كعب! ثم إنه يمم بها التنور فسجرها (أحرق الخطاب في نار التنور بدون رجعة)، ثم تصعيد جديد للمقاطعة ألا يقرب زوجته! يسأل هل يطلقها؟ لا فقط اعتزلها! يصرف زوجته ويسأل عن صاحبيه الآخرين اللذين يشاركان نفس المصير! أحدهما كان شيخا طاعنا في السن! تقول زوجته يا رسول الله هو في حالة بكاء مستمر لا يقربني وهو ضعيف فيسمح لزوجته بخدمته ولكن لا يقربنك!
وبذا حظر عليهم الاتصال الاجتماعي بل الاتصال الجنسي بالزوجات.. وتصاعدت المحنة من كل جانب، وهو ما جاء في التعبير القرآني أن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لاملجا من الله إلا إليه .. ثم جاء الفرج بعد خمسين ليلة حين نزل القرآن يبرئ ساحتهم ويتوب عليهم.. على الثلاثة تعيينا..
كان الرسول (ص) يسمع من المنافقين الذين يعتذرون ويقبل أعذارهم ثم يصرفهم، أما كعب بن مالك فقد قال له أما هذا فقد صدق. ويبدأ في محنته العظمى، أما المنافقون فليسوا بأهمية إنزال عقوبة بهم! كانت العقوبة للصادقين امتحانا لهم وتثبيتا لقلوبهم!
ثم يأت الفرج والفتح المبين ينزل القرآن على النبي بالآيات البينات! ينطلق المبشر إلى كعب بن مالك، ومن بعيد وهو على ظهر فرس من طرف جبل سلع يصيح فرسان يا كعب أبشر... حين يصل البشير يخلع كعب ثوبه ويهديه إياه ثم ينطلق إلى المسجد ليقابل رجلا كأن وجهه فلقة قمر من الفرح لمصير هؤلاء الثلاثة الذي خلفوا وتاب الله عليهم.. لقد ولدوا ولادة جديدة.. إنه وجه النبي البدر في الظلمات (ص). من شدة الفرح يريد كعب أن ينخلع عن كل ماله لله تعالى فيوصيه النبي (ص) بالتريث والاقتصاد، ويقول يكفي الثلث والأهم من ذلك الولادة الروحية الجديدة. أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.
إنها دروس تربوية نحتاجها كل يوم..
يقول له النبي (ص) إنه خير يوم طلع عليك منذ ولادتك ياكعب.. كم هي لحظات خالدات جميلات أن يولد الإنسان بريئا طاهرا طفلا رائعا.. براءة من الله كما هو عنوان سورة براءة.. وكما تبرأت السورة من المشركين في أولها، كذلك نزلت في آخر السورة من جديدة براءة جديدة وتوبة لهؤلاء الثلاثة الذين دخلوا المحنة الأعظم في حياتهم، فلو أضيفوا إلى قائمة المنافقين لأصبحوا من الكافرين الذين لفظهم المجتمع، ولكنها كانت محنة هاصرة عاصرة منقية مطهرة من الشوائب. أحاول أن أتخيل هذا الصحابي وكيف صار يمشي للمسجد بعد ذلك! كيف كان يتأمل الحياة من جديد! بل وكيف ينظر له الصحابة بحبور، ويقولون هذا منَّ الله عليه فذكره في الكتاب الحكيم، هذا الذي نزل فيه القرآن وصاحبيه. وكلما تلونا هذه الآيات الخالدة نتذكر محنة كعب بن مالك رضي الله عنه، وكيف تجاوز الامتحان ونجح وأخذ يأمل أن ينجح في الامتحان الأخير فيفوز بالجنة.. عليهم رضوان الله أجمعين... إنني أبكي حين أذكر قصص أولئك الرعيل ويعتريني خشوع وكهرباء تحت الجلد وأنا أتأمل المستوى من التحليق الذي وصلوا إليه، والطهارة التي نعموا بها، مقابل وضعنا المهترئ المسكين حاليا، فبعد أن كنا خير أمة أخرجت للناس أصبحت في خانة جديدة وقدر مختلف ومصير مرسوم باتجاه الانحطاط.. كما أراها في الانتخابات المزورة، والاقتتال الطائفي، والانحطاط المدني، والديكتاتوريات المبعثرة في خارطة المنطقة. على أمل الانبعاث والتجديد والنهضة ولو بعد حين! قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا.... فلنأمل برحمة الله. ليتنا عشنا ومتنا معك يارسول الرحمة.