ديننا الحنيف كان سباقا في تشريعاته بما يعزز مكانة المرأة ويمنحها الحرية والاستقلال وملكية التصرف في شؤونها ومالها، وفيما يناط إليها من مسؤوليات

انطلقت اتفاقية سيداو الدولية (CEDAW) المعنية بحقوق المرأة والقضاء على جميع أشكال التمييز ضدها، في ديسمبر من عام 1979 بعد اعتمادها من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتم التوقيع عليها من قبل 64 دولة في كوبنهاجن في يوليو عام 1980، ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1981 بعد أن صدقت عليها 20 دولة، وتمثل تلك الاتفاقية واحدة من العديد من الاتفاقيات العالمية التي تقوم الأمم المتحدة على رعايتها ونشر مبادئها بما تتضمنه من بنود ومواد ومستهدفات، تسعى إلى نشرها وتعميمها بين مجتمعات العالم المختلفة في، ثقافاتها ودياناتها ونظامها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل وفي جميع ما يحكم طابعها الوطني من تشريعات وأنظمة ومعتقدات وغيره، لتعكس جميع الدول في توجهاتها وإستراتيجيتها، رؤية الأمم المتحدة وتوجهاتها نحو قضية ما أو اتفاقية دولية معينة، ويشارك في إعداد تفاصيل الاتفاقيات بعض من خبراء ومسؤولي دول العالم المتقدم، وتلتزم الدول بمضمون تلك الاتفاقيات بدرجات متفاوتة، وتتحفظ على البعض تبعا لنصوص الاتفاقية وبنودها التفصيلية.
وعلى الرغم من وجود مفارقات كبيرة بين دول العالم في المكون الوطني، إلا أن الانضمام لتلك الاتفاقيات الدولية يظل مطلبا لا بد منه، لأن كل دولة من دول العالم هي جزء من تلك الأسرة الدولية التي تجمعها منظومة من العلاقات المتبادلة والمصالح المشتركة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وعليه فإن ذلك يقتضي النظر بموضوعية وحكمة لتلك الاتفاقيات الدولية بما تتضمنه من مواضيع وما ينضوي تحتها من بنود وتفاصيل لمواد مختلفة، فقد يتفق بعضها مع توجهاتنا ويخدم مصالحنا الوطنية، ويسهم في تحقيق أهدافنا الإستراتيجية والتنموية دون الإخلال بهويتنا الوطنية واستقلالنا القومي، وقد لا يتواءم مع ذلك جميعه ويكون معولاً يهدم مكتسباتنا الوطنية من قيم ومبادئ ونظام اجتماعي وعلاقات أسرية مختلفة، بسبب اختلاف معاييرنا وموروثنا الثقافي والاجتماعي ومعتقدنا الديني عن تلك الدول المشاركة في صياغة محتوى تلك الاتفاقيات، وما ترمي إليه من أهداف ورؤى تتواءم مع مجتمعاتها وتطلعاتها التنموية.
تتضمن اتفاقية سيداو ثلاثين مادة أساسية، يحوي كل منها بنودا متصلة بها ومتشعبة في قضاياها بما تتضمنه من حقوق ومتطلبات تتصل جميعها بحقوق المرأة لحمايتها من التمييز القائم على أساس الجنس (لكونها امرأة)، والذي يحكمه ويصنفه في كل مجتمع، عدد من الاعتبارات المرجعية التي يستند إليها القانون الوطني والنظام المجتمعي لكل دولة، ويمثل الاعتبار الديني بما تتضمنه الشريعة من معالجة وأحكام واضحة لأمورنا الدينية والدنيوية أحد الاعتبارات الأساسية للمجتمعات التي تستند إلى الدين كمرجع تشريعي وقانوني، كما تسهم الاعتبارات الاجتماعية والثقافية بما تحويه من قيم ومعتقدات وعادات سائدة موروثة بدور لا بأس به في صياغة بعض تشريعاتنا الوطنية وما يتعلق بها من أنظمة وقوانين، والذي يؤدي بدوره إلى قبول أو رفض متطلب أو حق ينبغي الالتزام به لحفظ حقوق المرأة وحمايتها من التمييز في مستحقاتها بحكم العرف الاجتماعي، أما الاعتبار الآخر فهو مرتبط بالنظام الوطني الخاص بكل دولة، وهو الحاكم لمختلف التشريعات والأنظمة والقوانين الوطنية المنظمة للمعاملات العامة والعلاقات المجتمعية بين المواطنين، وبينهم وبين الدولة كمظلة رسمية تحكمهم وتنظم شؤونهم وعلاقاتهم الداخلية والخارجية.
تدعو اتفاقية سيداو إلى كفالة الحقوق المتساوية للمرأة بصرف النظر عن حالتها الاجتماعية، لتكون المساواة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، ويكون ذلك من خلال سن القوانين والتشريعات الوطنية التي تحرم التمييز ضد المرأة، وتوصي باتخاذ التدابير والإجراءات الملائمة في كل دولة للتعجيل بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، واتخاذ الخطوات التي تستهدف تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية التي تؤدي إلى ديمومة هذا التمييز.
وتنص التدابير الأخرى على كفالة الحقوق المتساوية للمرأة في المجالات السياسية والحياة العامة، والمساواة في الحصول على التعليم بجميع خياراته ومناهجه المتاحة للرجل، وعدم التمييز في الوظائف والأجر، وتوفير ضمانات الأمن الوظيفي في حالات الزواج والولادة، وتشدد على المساواة في المسؤولية داخل إطار الحياة الأسرية، كما تركز على الاهتمام بالخدمات الاجتماعية ومرافق رعاية الأطفال اللازمة، للجمع بين الالتزامات الأسرية، ومسؤوليات العمل، والمشاركة في الحياة العامة، كما تدعو إلى عدم التمييز في الخدمات الصحية المقدمة للنساء وفيما يتصل بالخدمات المتصلة بتخطيط الأسرة، وتدعو إلى منح المرأة أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل في إدارة أمورها وشؤونها الخاصة، وأن تعمل الدول على إلغاء كافة القوانين والتشريعات التي تميز بين المرأة والرجل في جميع المستحقات القانونية التي تحول دون مشاركة المرأة وتحد من مساهمتها التنموية وحريتها الإنسانية، ومنها المعاملات المالية وحقوق الملكية وغيرها، وذلك انطلاقا بأن جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وإن حرمان المرأة من حقوقها وانتهاكها بالتمييز ضدها يعيق من مشاركة المرأة في مسيرة وطنها التنموية، ويعطل الاستفادة من قدراتها ومهارتها في شتى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما ينعكس سلبا على نمو الأسرة والمجتمع ورفاهه الشامل.
وحيث إن تمكين المرأة المواطنة يحتل مكانا محوريا في إستراتيجيتنا الوطنية ورؤيتنا التنموية، فإن ما تشهده الساحة الوطنية من تطور محمود وتغيير إيجابي لصالح المرأة وحقوقها، وزيادة نسبة مشاركتها في سوق العمل الوطني وفي المناصب القيادية لهو ترجمة فعلية لما تدعو إليه الاتفاقات الدولية في هذا الشأن، بل إن ديننا الحنيف كان سباقا في تشريعاته بما يعزز مكانة المرأة ويمنحها الحرية والاستقلال وملكية التصرف في شؤونها ومالها، وفيما يناط إليها من مسؤوليات، والذي يفوق ما تمنحه الكثير من القوانين الوضعية التي تتشدق باحترام المرأة ومستحقاتها.
وإن ما تواجهه المرأة المواطنة من تحديات وقيود بخصوص الولاية والسفر والطلاق والحضانة والنفقة وتبعية أولادها لها في الجنسية، وغير ذلك من الأمور التي كان للاعتبار الاجتماعي والعادات والتقاليد والتمييز الموجود ضد المرأة، دور في غلبة التأثير بها على صياغة قوانينها وتشريعاتها، فإننا نأمل أن تتم مواجهة تلك التحديات والتصدي لها بدعمها بالقوانين والتشريعات الوطنية التي تخدم مستحقات المرأة وتنتصر لها، وبما تدعو إليه الاتفاقيات الدولية والتوجهات الوطنية التي تستهدف تعزيز مكانة المرأة ومنحها مزيدا من التمكين والحقوق القانونية التي لم يحرمها إياها ديننا الإسلامي، وتلعب مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلام دورا مهما في تحديث قناعات المجتمع، وتغيير رؤاه الموروثة بخصوص التمييز ضد المرأة والانتقاص من حقوقها الشرعية والإنسانية التي منحها إياها الشرع، وبما يهيئ بدوره لتحقيق متطلبات برنامج التحول الوطني وإجراءاته التابعة بتمكين المرأة وتعزيز مشاركتها، والذي لن يتأتى إلا بمنحها مزيدا من الاعتبار والحرية والاستقلالية في تحمل مسؤولياتها وإدارة شؤونها الخاصة.