عدم القدرة على محاربة البطالة، وعدم قدرة مؤسسات تطوير التعليم العالي والفني على تطوير مخرجاتها بما يتواءم مع احتياجات التنمية ليسا نابعين من شح في الموارد، فهي سخية ولكن الإشكال في توجيه هذه الموارد
تضمنت إعلانات الميزانية مفاجآت سارة في تحقيق فائض كبير، ونمو اقتصادي فاق التوقعات، ولجم التضخم، وزيادة الصادرات النفطية وغير النفطية، وتقليص الدين العام، وزيادة الإنفاق الحكومي على الموارد البشرية. فهل سينعكس كل ذلك على تحقيق أهداف خطة التنمية التاسعة التي ما زالت في سنتها الأولى، خاصة فيما يتعلق منها بتقليص البطالة؟
وفي إعلانات الميزانية العامة للدولة التي صدرت يوم أمس الاثنين، هناك نوعان من المعلومات التي تم الإفصاح عنها، بعضها يخص عام 2010 أي الأداء الفعلي، والآخر يخص المتوقع لعام 2011م.
ففيما يتعلق بالأداء الفعلي للمالية الحكومية، نجد أن الدخل خلال عام 2010 قد بلغ 735 مليار ريال، أي بزيادة (265) مليارا عما كان متوقعا. ومع أن الإنفاق الحكومي قد تجاوز 626 مليار ريال، أي بزيادة (86) مليار ريال عما كان مخطط له، إلا أن المالية حققت فائضاَ تجاوز (108) مليارات ريال. وهذه هي المفاجأة الأولى، خاصة عندما يقارن بمستويات العجز في ميزانيات معظم دول العالم خلال هذه الأزمة المالية، فدول الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرون كلها هذا العام تعاني من عجز في ميزانياتها، بل تجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي في سبع منها.
وهو إنجاز كبير عندما نتذكر أن البرنامج التحفيزي الذي قامت به الحكومة كان على أشده خلال عام 2010، وعندما يُقارن هذا الفائض بالعجز الذي واجه الميزانية في عام 2009 وبلغ حينها نحو (45) مليار ريال. وبهذا الفائض تكون المملكة قد حققت فوائض تجاوزت تريليون ريال خلال السنوات الخمس الماضية فقط. وهي حصيلة لا بأس بها! وإنجاز يحق للمواطنين أن يحتفلوا به. وبهذه الموارد الضخمة، يحق للمواطن أيضا أن يتوقع أن يتم تحقيق أهداف خطة التنمية التاسعة، أو حتى تجاوزها.
وفيما يتعلق بميزانية العام القادم 2011، تم تقدير الإيرادات بـ(540) مليار ريال، مقارنة بمصروفات قدرت بـ(580) مليار ريال، أي بعجز قد يبلغ (40) مليار ريال في حال صحت تلك التقديرات. ومن المهم أن نتذكر أن هذه مجرد توقعات مبنية في جانب الدخل على تقديرات المختصين لما ستكون عليه أسعار النفط خلال عام 2011، بالإضافة إلى دخل الحكومة من الضرائب والرسوم، وفي جانب المصروفات توقعات لما ستكون عليه وتيرة الإنفاق خلال العام. وكما لاحظنا من مقارنة الأرقام الفعلية لعام 2010 بالأرقام التي كانت متوقعة العام الماضي، فإن هذه التقديرات غير دقيقة، سواء في جانب الدخل الذي (لحسن الحظ) تجاوز التوقعات بنسبة 56%، أو في جانب الإنفاق الذي تجاوز ما كان مخطط له بنسبة 16%. وسيرى غالب المواطنين في زيادة الإنفاق أمرا إيجابيا، لو توفرت معلومات عن مصارف هذه الزيادة غير المتوقعة في النفقات، والتي ساهمت بلا شك في تحقيق معدل النمو العالي الذي أعلن عنه يوم أمس والذي تجاوز (16%) بالقيم الاسمية.
وستكون هذه السنة هي العام الأول في خطة التنمية التاسعة، وهي الخطة التي تركز، كما أعلن وقت صدورها، على تنمية القوى البشرية وزيادة توظيف المواطنين والقضاء على البطالة، ولذلك كان مفاجئا أنه ليس في المعلومات التي توفرت يوم أمس ما يبعث على الأمل بأن أداء هذه الخطة في عامها الأول سيكون أفضل من الخطة الثامنة في مكافحة البطالة، التي تفاقمت خلال خطة التنمية الثامنة بدلاً من أن تنحسر.
فإعلانات الميزانية تشير إلى أنها ستركز في العام القادم على المشاريع التنموية التي تعزز استمرارية النمو والتنمية طويلة الأجل، وبالتالي زيادة الفرص الوظيفية للمواطنين، وهي إشارة صحيحة جزئياً على الأقل، فستكون هناك زيادة في الفرص الوظيفية، ولكنها لن تكون للمواطنين بالضرورة، ما لم تتخذ إجراءات موجهة ومباشرة targeted لجعل (بعض) هذه الوظائف من نصيب المواطنين فعلاً.
وبالمثل تتضمن البيانات التي أعلن عنها يوم أمس اعتمادات جديدة سخية للتعليم والتدريب، وربما كان ذلك على أساس أن ذلك سيؤدي في حد ذاته إلى تعزيز تنافسية المواطنين، وبالتالي يزيد من فرص حصولهم على تلك الوظائف، ولكن هذا يفترض أن أداء الجامعات سيتغير عما كان عليه في السنوات الماضية، حين كان أغلبية العاطلين عن العمل هم من الجامعيين، كما تشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة. وليس هناك ما يؤيد هذا التفاؤل، ما لم تقم الجامعات باستخدام جزء من هذه الموارد المتزايدة في تعزيز تنافسية خريجيها، وتوفير برامج توظيف فعالة وجريئة.
وتوضح أرقام الميزانية كذلك أن عدم القدرة على محاربة البطالة، وعدم قدرة مؤسسات تطوير التعليم العالي والفني على تطوير مخرجاتها بما يتواءم مع احتياجات التنمية ليسا نابعين من شح في الموارد، فهي سخية، وربما تجاوز الإنفاق عليها في المملكة ما تنفقه معظم دول العالم الأخرى، ولكن الإشكال في توجيه هذه الموارد واستغلالها.
ولعل الجهات المعنية بقضية البطالة توضح خلال الأيام القادمة ما تعتزم عمله خلال العام المقبل لتحويل هذه الأرقام إلى إنجاز فعلي يتمثل في القضاء على البطالة أو تخفيض معدلاتها ضمن جدول زمني معقول.