في الدول المتحضرة، هناك أجهزة تقيس مدى تلوث الجو ودرجة خطورته على الأطفال والبالغين، ثم توصي بالإجازات الطارئة، لو وُجدت مثلها عندنا، وتم إسناد تعليق الإجازات الطارئة لجميع الموظفين والمعلمين والطلاب إلى مثل هذه الأجهزة، حينها
ستنتهي جدليتنا التي نعشق ترديدها كل فترة.
لكن ذلك ليس موضوع المقال الذي استُوحي من مثقف سعودي ظهر في برنامج حواري غاضبا من دوام المعلمين دون طلاب، وتساءل بغضب: ماذا يفعل المعلمون من دون طلاب؟ أو بلغته «وش يسوون في المدرسة؟».
هذا المثقف، وكل من أيد في البرنامج كلامه، هم جزء من منظومة مجتمعية لا يستهان بحجمها، بمن فيهم كثير من المعلمين يعدّون المعلم جاهزا في أي وقت وأي لحظة لإعطاء درس، على اعتبار أنه متخصص دون أن يلزم بإعداد متمكن مبني على خطة وسيناريو وإستراتيجيات كلها تحتاج وقتا لا يحتاج فيه إلى طلاب أو فصل.
وربما أنت مثلي، تذكر أن أحد زملائك الذي يظن نفسه جهبذا يدور بكرسيّه، وينظر كأنه في سقف العالم ونحن أسفل منه، ويقول: أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- نظرة وحدة للدرس إذا دخلت الفصل تكفي لأعرف كيف أشرحه.
هذا الشخص يمثل عينة كبيرة من معلمينا، عوّدتهم وزارة التعليم أنه لا يوجد في جدولهم الدراسي ساعات مكتبية يقضونها في الإعداد لدروسهم، فظن ذلك كافيا جدا لتجاهل أي عمل لا يستدعي وجود الطلاب.
كما شجعتهم بيئة غرفهم السيئة والأشبه بمقهى بمقاعد «شيزلون»، وطاولة طعام، وقائمة حلى القهوة، على عكس غرف المعلمين في العالم الغربي بأجهزة الكومبيوتر، والتي يدخل المعلم إلى صفحته عبرها، ويتلقى بريده ويحفظ جهوده، وتتكفل الوزارة بحفظها واستردادها لو فقدها، وهذا يقودني إلى شيء أن هذا الوقت دون تلاميذ من الممكن صرفه في مشاهدة دروس في «يوتيوب»، والجميل أن لدينا ثروة وطنية قام بإعدادها معلمون سعوديون فيه، وفي مواقع تشرف عليها الوزارة، تنقل تجارب تدريس بإستراتيجيات حديثة، سيكون من الرائع لو صرف المعلم جزءا من وقته في الدوام لمتابعة تخصصه، وما استُحدث فيه.
أما باقي يومه فلا شأن لنا، لا آباء ولا وزارة.