بعد أن ضاقت Courtney Carver ذرعا بازدحام حياتها وامتلاء مسكنها بالملابس والأحذية والأكسسوارات قررت أن تخوض غمار تجربة اسمها 33. وفكرة هذه التجربة باختصار هي ارتداء 33 قطعة فقط لمدة ثلاثة أشهر، شكل هذا العدد من القطع كل ما ترتديه للقاء زبائنها ولعقد اجتماعات العمل.. عانت كثيرا في البداية لكنها كانت مصممة على إنجاح الفكرة وهذا ما حصل بالفعل.. في نهاية التجربة وعبر سلسلة من التدوينات سجلت Courtney Carver ما يمكن اعتباره درسا في الحياة: (تعلمتُ بالتجربة أن البشر لا يلاحظون تفاصيلك بالقدر الذي تعتقده أنت).
ربما تكون فكرة هذه التجربة شاقة بعض الشيء، لكنها كنموذج تثبت أننا قادرون على الاستغناء عن الكثير بقليل من التفكير. الاكتفاء بالقليل من كل شيء أو (مهارة التخفف) هي مهارة عملية جدا وتركِّز على معنى الحياة لا تكاليفها، وتحث على الاستثمار في قيمة الأشياء وليس في ثمنها فقط، لكن يندر أن نتقنها في مجتمعنا بسبب ظروف اجتماعية كثيرة منها التعود، والخوف من اتهام الآخرين لنا بالبخل.
لا زال مجتمعنا مثلا سجينا لعادة الهدر والمبالغة في المظاهر بشكل عام، نبالغ في لقاءاتنا الخاصة وفي احتفالاتنا ومناسباتنا، حتى صوالين العزاء تحولت لدى البعض لمناسبة تسبقها استعدادات سوداء من توزيعات ومعدِّدات ومكياج! هل تتخيلون ذلك؟ هذه المبالغات ليست حكرا على المقتدرين، بل قد يستدين غير القادر فقط ليجاري المجتمع في هدرٍ غير مبرر على أمور شكلية عارضة كاحتفال بنجاح أو زواج أو ترقية.
نحن بارعون جدا في اختلاق الأعذار الملائمة للهدر فقد طورنا هذه المهارة عبر سنوات وسنوات من الممارسة. قد نتعذر مثلا بأن فرحة الزواج لن تتكرر! لم يسأل المعنيون أنفسهم مثلا كيف نفرح إذا كان ثمن هذه الفرحة هي البقاء في سجن الأقساط حتى يتزوج بعض أبناء العرسان!؟
اجتماعاتنا الدورية هي الأخرى صارت عبئا على الضيف والمضيف؛ بسبب ما يسبقها من استعدادات ماراثونية يركض فيها الجميع ليحققوا هدف التقديمات المتميزة التي أقنعهم بها المسوقون والمسوقات عبر قنوات التواصل الاجتماعي، والتي ترهق ميزانية القادر فضلا عن محدود الدخل. ولا تسأل عن استقبالات المواليد، والتي تحولت من مناسبة يشكر فيها الواهب ويدعى فيها بالبركة للموهوب إلى استعراضات مادية شبه متطابقة تخلو من الروح وتستقبل النعمة بإسراف لا يليق.
يحتاج الأمر لوقفة مصارحة مع الذات نسأل فيها أنفسنا عن الهدف من هذا كله وعن مدى استدامة ما نستثمره من وقت وجهد ومال في هذه التصرفات البعيدة عن العقل، هذه التصرفات لا تليق بنا ولا تتسق مع الوعي الذي نزعم أننا وصلنا إليه.
ربما حان الوقت لنقلل ما نضعه على طاولات التقديم، لنجرب التخفف هذا الأسبوع من ماديات لقاءاتنا. وبهدف الاستدامة، لنبدأ على سبيل المثال بتقليل ميزانية أي مناسبة للنصف وعدم تجاوز الميزانية مهما حدث. صدقوني غالبا لن يلاحظ أحد.