كافة نشاطات 'مركز الفكر العربي للدراسات والأبحاث' المنبثق عن 'مؤسسة الفكر العربي' في ذكرى تأسيسها العاشرة، لن تكون نشاطات ترفيهية وتزويقية، بقدر ما ستكون نشاطات تعمل على تمهيد طريق التقدم والرقي والمعرفة للإنسان العربي
-1-
مركز الفكر العربي للبحوث والدراسات في مؤسسة الفكر العربي، في بيروت، الذي افتتحه الأمير خالد الفيصل ضمن فعاليات فكر9 في بيروت في بداية ديسمبر 2010، يعتبر من أهم إنجازات مؤسسة الفكر العربي الثقافية المتلاحقة سنة بعد أخرى. فلا ينقص الفكر العربي في هذه الفترة، غير مثل هذا المركز، الذي نأمل من المسؤولين في مؤسسة الفكر العربي، أن ينشروا تفاصيل وافية عنه، وعن عمله مستقبلا، لكي نستطيع ـ مستقبلاً أيضاً ـ أن نعلم علم اليقين، ماذا يدور في هذا المركز، ونتعقب إصداراته، التي لا بُدَّ أن تكون مهمة ومفيدة للقارئ، والباحث، والدارس، والمفكر أيضاً. فالفكر العربي مرَّ في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بأزمات كثيرة ومحن مختلفة، كان أبرزها ضيق ذات يد النشر الورقي بالدرجة الأولى، نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتردية في العالم العربي، والتي من الصعب أن تتحسن في المستقبل القريب، نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية التي تضرب عواصفها الشمال والجنوب على السواء. وأرى أن من المهام المُلقاة على مركز الفكر العربي للدراسات والبحوث تبني الدراسات والبحوث الجيدة، ونشرها بأسعار متهاودة إلى حد بعيد. فالفضاء العربي مليء بالمفكرين الجادين، وغني بالدراسات والبحوث. ولكن هذه البحوث بحاجة إلى الدعم المادي، والنشر الواسع. ولنا من الكويت المثال الجيد.
-2-
فرغم وجود بعض المراكز الثقافية في العالم العربي، التي تعمل على نشر البحوث والدراسات الجادة، منها على سبيل المثال مركز الإنماء القومي، ومركز الإنماء العربي، ومنظمة الترجمة العربية في بيروت، المدعومة مادياً من حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وغيرها من المراكز. إلا أن هذه المراكز غير كافية. ويحتاج النتاج الفكري العربي إلى المزيد من هذه المراكز، التي من المفروض أن تلعب مستقبلاً دوراً كبيراً في توجيه السياسة الداخلية والخارجية للدول العربية، كما تفعل الآن المراكز الفكرية/السياسية، التي ظهرت حديثاً في أمريكا، والمسمّاة Think Tanks.
-3-
علمنا ـ مبدئياً ـ أن مركز الفكر العربي للدراسات والبحوث، يضم خمس وحدات هي: وحدة استطلاع الرأي لقياس اتجاهات الرأي العام في قضايا الفكر والثقافة وهي وحدة ستكون فريدة في مهمتها. إذ لا أذكر أن وحدةً شبيهة لها في العالم العربي. ولا يظن أحد ـ وهذا ما نود التركيز عليه بقوة ووضوح ـ أن مثل هذه الوحدة سيكون همّها قضايا الفكر والثقافة الخالصة، بعيداً عن هموم المواطن العربي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكذلك الدينية. فالفكر والثقافة المعاصرة لم تعد بمعزل عن هذه المحاور. بل إن هذه المحاور جميعها، إضافة إلى الفكر الخالص والثقافة الإبداعية، تشكل عصب ولُحمة الثقافة وسدى الفكر. فإذا لم يكن الفكر من أجل دفع عجلة التطوير، وإذ لم تكن الثقافة رافعة عجلة التغيير، فإن الفكر والثقافة يصبحان ترفاً وزينة للناظرين فقط.
-4-
ومركز الفكر العربي للدراسات والأبحاث سيضم مرصد حوار الثقافات الذي سيتولى ـ برعاية محطة (الأورونيوز) ـ إصدار تقرير فصلي عن حالة حوار الثقافات في العالم. وهذا المرصد جديد في العالم العربي اسماً ومهمة. ولا أعلم أن شبيهاً له يوجد في العالم أيضاً. وهو يتطلب كفاءات عالية، واستثمارات كبيرة، لكي يؤدي عمله جيداً، فيما لو علمنا أن تنافس الثقافات ـ وليس صراعها، فالثقافة إبداع، ولا صراع في الإبداع، بل هناك تنافس وتسابق ـ وتسابقها بين مختلف شعوب الأرض الآن، قد ازداد وارتفع نتيجة لعولمة المعلومات، وثورة الاتصالات. وأصبح العالم ليس عبارة عن قرية فقط، ولكنه شاشة ضوئية، لا تزيد مساحتها عن ربع متر مربع أو أقل قليلاً، أو أكثر قليلاً. وسوف يتم اختصار العالم في المستقبل القريب ضمن شاشة أقل حجماً، بعد بدء انتشار إنجازات التكنولوجيا الإلكترونية الجديدة كـ(النووك) و(آيباد)، وقبل ذلك (البلاكبيري). وهذه القفزات الإلكترونية الجديدة، فتحت خزائن الثقافات الإنسانية على بعضها، وأطلقت الأفكار من عقالها، وأصبح فكر القرن السابع عشر والثامن عشر قريباً جداً من فكر نهايات القرن العشرين، وفكر بدايات القرن الحادي والعشرين. كما لم يعد التلاقح الثقافي بين ثقافات الشعوب بحاجة إلى عشرات السنين، لكي ينجب مواليد جددا، بقدر ما أصبح مثل هذا التلاقح يتم بين عشية وضحاها.
-5-
من خلال مركز الفكر العربي للدراسات والأبحاث لن يصبح هناك احتكار لأهم الأخبار والقضايا الآنية، من قبل الصحافة والإعلام التقليدي. فـوحدة البحوث والتقارير الدورية التي سيضمها المركز، ستصدر نشرة يومية إلكترونية بعنوان (أفق)، ومهمتها تسليط الضوء على الخلفية المعرفية لأهم الأخبار، والقضايا الآنية. وبذا ـ ومع انتشار الإنترنت في العالم العربي، بحيث أصبح في السعودية وحدها أكثر من 12 مليون متصفح، كما قالت آخر الإحصائيات الموثوق بها ـ سوف تصبح المعرفة لأهم الأخبار والقضايا الآنية مشاعة، ومتوفرة للجميع.
-6-
ومرة أخرى، أود أن أؤكد، أن كافة نشاطات مركز الفكر العربي للدراسات والأبحاث المنبثق عن مؤسسة الفكر العربي في ذكرى تأسيسها العاشرة، لن تكون نشاطات ترفيهية وتزويقية، بقدر ما ستكون نشاطات تعمل على تمهيد طريق التقدم والرقي والمعرفة للإنسان العربي، الذي عانى شقاءً بلا حدود في سبيل تلّمس هذه الطريق، التي لم تقده في كثير من الأحيان، إلى الصواب. وأما ما يبشر بالخير في نشاطات مركز الفكر العربي للدراسات والأبحاث أنه مركز غير ربحي وغير تجاري. وعدم الربحية هذا، هو الذي أدى إلى نجاح معظم مراكز الأبحاث والدراسات في أمريكا (أكثر من 1200 مركز أبحاث ومؤسسة دراسات)، إضافة إلى (هِمَّة) كبار السياسيين أمثال زبيجنيو بريجنسكي، وهنري كيسنجر، وجيمس بيكر، وهارولد براون وغيرهم، لخدمة هذه المراكز تطوعاً. ونأمل من سياسيينا المرموقين أن يهمّوا (هِمَّة) أولئك.