لابد أن نعترف بأن قدراتنا الإدارية في مجالي دفة التنمية وإدارة رأس المال الضخم أضعف بكثير من القدرة على التصدي بكفاءة، أو حتى بالحد الأدنى من الكفاءة، لهذا الدفق المالي العملاق. ولكن لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟

أنهيت الليالي الأخيرة من عام 2010 قارئاً مستمتعاً لكتاب (أوضاع العالم 2009/ 50 فكرة رئيسية لفهم آخر تطورات العالم). الكتاب آنف الذكر، سلسلة مرجعية بدأت منذ عام 1981، وتصدر بشكل سنوي لتناقش أهم الأفكار الجوهرية التي سيطرت على المسرح العالمي في العام السابق بمشاركة جماعية من عشرات المفكرين والمحللين وكل واحد منهم يتصدى لفهم وتفكيك فكرة جوهرية واحدة. في العامين الأخيرين تصدت مؤسسة الفكر العربي لترجمة الكتاب. وفي كل رهان أو باب أو فكرة من هذا الكتاب، لا بد أن تجد نفسك تتقاطع مع مصائر الأفكار وإرهاصاتها ونتائجها السلبية أو الموجبة، أولاً، كمواطن عولمي، تتأثر بما يحدث في الدنيا بشكل لافت وتؤثر فيها بدرجة قليلة متناهية الصغر، وثانياً، لأنك لا بد أن تشاهد نفسك مسماراً صغيرا في موج متلاطم من آخر الأفكار التي تسيطر على كل شيء في دفة هذا العالم الفسيح. صحيح أنك قد تخرج من غلاف هذا الكتاب الأخير بنظرة بالغة التشاؤم لأن السؤال الجوهري: أين أنت وفي أي منظومة ثقافية أو تقنية أو إطار عرقي أو سياسي تعود بك الجذور؟ كيف أنت مع أهم الأفكار التي تسيطر على الكون وما هي مشاركتك في بلورتها وإعادة توجيهها وتشكيلها؟ وبالنسبة لي، ولقارئ هذه الحروف، تلك أسئلة محسوبة.
بنهاية الغلاف الأخير، بدت لي الفكرة لإعادة صياغة العنوان ليكون على هذا النحو ( أوضاع السعودية 2010: عشر أفكار رئيسية لفهم آخر تطورات الوطن). سؤالي: من هم الذين سيتناوبون صياغة وتحليل أهم معضلات عشر نواجهها في العام الأخير، وما هي هذه الأفكار العشر التي سيجمع حولها وإليها عدة باحثين جادين، وما هي المنظومة الفكرية التي تستطيع أن تقدم للشعب وللوطن ولو مجرد تشخيص الداء لأمراضنا المحلية العشرة الأولى في المسائل الاقتصادية والاجتماعية والتنمية البشرية والبيئة والتكنولوجيا وفي الرهانات الإقليمية والعلاقات الدولية المعاصرة؟ هنا سأساهم بفكرة واحدة أعتقد أنها على رأس القضايا الجوهرية لأوضاع وطني في عام أغلق أبوابه وودعنا مساء البارحة. وبين قوسين (عام اقتصادي ضخم ولكن بنتائج هزيلة ). عام ينتهي بأكبر ميزانية في تاريخ التنمية السعودية مثلما انتهى بثاني أكبر فائض مالي في ذات التاريخ المالي السعودي ولكن: لماذا.؟ في المقابل لا بد أن نعترف بالشق الثاني من المعادلة، بالنتائج البنائية التنموية التي لا تتناسب مع رأس المعادلة المالية الاقتصادية. أدرك تماماً أن تحليل الفكرة في المعادلة السابقة (ما بين القوسين) لا يستدرك بمقال محدود المساحة مثلما أدرك أن تحليلها وتفكيكها يحتاج لخبيري اقتصاد وإدارة. ومع هذا كله لا بد من الاعتراف الواضح الصريح بأن (النتائج الثانوية الهزيلة) نتاج ضعف مركب من شقين: إداري وتعليم. نحن لا بد أن نعترف أن قدراتنا الإدارية في مجالي دفة التنمية وإدارة رأس المال الضخم أضعف بكثير من القدرة على التصدي بكفاءة، أو حتى بالحد الأدنى من الكفاءة، لهذا الدفق المالي العملاق. ولكن لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ وصلنا لأننا أمام فكرة أخرى ملازمة ومتلازمة. لأن مخرجات التعليم بكل فنونه ودرجاته وأشكاله برهنت بشكل قاطع، لا يحتمل الشكوك، أنها لا تتحمل ولا تحتمل القدرة على التصدي للمشروع التنموي. إنها بالضبط مثل السلك الكهربائي الموصل لإمداد قرية بسيطة بالطاقة وفجأة (تشبك) فيه من الأحمال ما يمكن لها أن تمد كامل مدينة. لم تستطع مخارج التعليم العالي لدينا، وبخبرة نصف قرن من الزمن، مثالاً، أن تمدنا بالكوادر الهندسية اللازمة لإدارة أكبر عشرة مشاريع بالبلد. وبالبرهان، فإن أكبر خمس شركات محلية للإنشاء والعمران لا تكتنز من المهندسين السعوديين سوى أقل من 5%. يدير 37 مهندساً، ومثالاً مرة أخرى، إدارة المشاريع بواحدة من أكبر الوزارات المنتجة ولكن: بثلاثة مهندسين سعوديين فيما البقية من رجيع الكفاءات في بلدانهم وهم يلفظونهم بقاعدة ـ الرحيل للأسوأ. وبالقياس ، خذ على ـ الهندسة. بقية مقرراتنا المدرسية في الإدارة والمحاسبة وإدارة المشاريع والأعمال والتخطيط والقانون وبقية التخصصات الجوهرية التي تحتاجها إدارة تنموية لعام اقتصادي ضخم خرجنا منه بنتائج تنموية أقل من المتوقع. من سيتصدى معي لفكرة هذا الكتاب وما هي المنظومة الاستشارية التي ستقدم لوطنها أنبل فكرة علاجية تشخيصية؟