أصبح البعض لا يستشعر ولا يتدبر القرآن ولا يستطيع دعاء ربه وطلب العون منه، لأنه مشغول بطرد الجني من جسده بأي وسيلة كانت، ونسي أن القرآن فيه شفاء لما في الصدور بفهم وتدبر آياته
نشرت الوسائل الإعلامية مؤخراً، خبراً مفاده أن مجلس الشورى أوصى بإعداد مشروع نظام ممارسة الرقية الشرعية ومكافحة السحر، لأهمية تقنين هذا الجانب والحد من الممارسات الخاطئة.
وقد جاءت هذه التوصية في سياق انتشار ظاهرة الرقية في المجتمع، حتى أصبحت تجارة رابحة وسريعة للبعض، والدليل على ذلك انتشار زجاجات الماء وزيت الزيتون (المقري) عليها من بعض الرقاة في سوق العطارة، والتي وصلت أسعارها في حدود (200) و (500) ريال للزجاجة الواحدة، وذلك حسب قوة وشهرة القارئ بين الناس، بالإضافة إلى تحوّل منازل الرقاة إلى عيادات لمعالجة المرضى من العين والسحر وتلبس الجن وكافة الأمراض العضوية والنفسية.
وبالرغم من تحذيرات العلماء للناس بعدم الذهاب إلى أمثال هؤلاء وطلب الرقية منهم، لأن ذلك يخالف تعاليم الدين الحنيف، والأولى أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه وأهل بيته كما كان يفعل رسول الله، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت في ازدياد، حتى أصبح من يروج لها في مواقع الإنترنت وبعض القنوات الفضائية، وأصبح البعض يراها من صميم الشرع الإسلامي، ومن ينتقد هذه الممارسة يتعرض للتجريح ويتهم بالمروق من الدين.
وما أثار استغرابي أكثر في هذا الموضوع هو قراءة الناس للحديث الشريف الواضح والصريح في هذا الشأن، والوارد في صحيح البخاري، والذي يستنكر طلب الرقية من الغير، وفيما يلي نص الحديث:
......َيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ....- وذكرهم - : هُمْ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ...
ومعنى لا يسترقون في الحديث أي لا يطلبون الرقية من غيرهم، وهنا أسوق رأي الشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله بخصوص هذا الحديث في موقعه على الإنترنت، حيث يقول ما نصه:
وأما كونك تطلب غيرك فإن ذلك دليل على ضعف التوحيد ودليل على أنك ما وثقت بالتوكل على الله...
وبالتالي فإن ذهاب الناس إلى الرقاة وطلبهم للرقية قد أوقعهم في المحظور حسب ما جاء في الحديث، ورأي العلماء أيضاً يؤيد ذلك.
وعلى كل حال فإن الخوض في هذا الموضوع يقودنا إلى الحديث عن مسألة الرقية من الناحية الاجتماعية، فالرقية في المجتمع مرتبطة بشكل أو بآخر بالجن والشياطين والسحر حسب اعتقاد البعض، فالأمراض النفسية والعضوية مثل مرض الضغط والسكر والقلب والسرطان وغيرها أيضاً مرتبطة بالجن والشياطين والعين، مما يجعل الناس ييأسون من رحمة الله ويتركون الأخذ بالأسباب والتوكل على الله والذهاب إلى المستشفيات للعلاج.
ولا أحد ينكر مدى قوة وتأثير القرآن الكريم على النفس الإنسانية، بل إن هناك قاعدة طبية مهمة تتضمن أنه كلما كانت نفسية المريض ومعنوياته عالية سارع ذلك في شفائه، وهي تعتبر نصف العلاج وعند البعض كل العلاج، ويقول أحد الأطباء: نحن لا نشفي المريض من مرضه بل نساعده على علاج نفسه بنفسه، وقراءة القرآن بتدبر وفهم تبعث في النفس الثقة والطمأنينة، وتجعل الإنسان متفائلاً في الحياة، وهو يعلم بأن هناك رباً يرعاه ويعينه ويشفيه.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) يونس/57، وجاء في تفسير الجلالين في معنى هذه الآية: كتاب فيه ما لكم وما عليكم وهو القرآن (وشفاء) دواء (لما في الصدور) من العقائد الفاسدة والشكوك (وهدى) من الضلال (ورحمة للمؤمنين) به.
والرقاة للأسف قللوا من هذه المنفعة النفسية للإنسان المسلم بطقوسهم من ضرب وخنق وبصق وصعق بالكهرباء، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، فأصبح البعض لا يستشعر ولا يتدبر القرآن ويفهمه كما يجب ولا يستطيع دعاء ربه وطلب العون منه، لأنه مشغول بطرد الجني من جسده بأي وسيلة كانت، ونسي أن القرآن فيه شفاء لما في الصدور بفهم وتدبر آياته.
أما بخصوص السحر والسحرة فقد أعطوا أكبر من حجمهم ويكاد الناس يصدقون ألاعيبهم وأكاذيبهم، ومن ساهم في ذلك هم الرقاة أنفسهم حتى تروج بضاعتهم بين الناس، وقد نسوا قول الله عزّ وجل: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) طه/69، ويعتقد الناس أيضاً أن السحرة الموجودين بيننا يتحكمون في الجن والشياطين ويرسلونهم إلى من يشاؤون من الناس لإحداث الضرر بهم، ولكن لو تدبرنا الآية التالية لعرفنا الحقيقة: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) النحل/99، ولكن للأسف فإن الناس جعلوا للشيطان سلطاناً عليهم بتصديقهم السحرة والمشعوذين.
أذكر في هذا الصدد قصة تتداولها مواقع الإنترنت وقد صدقها البعض، تتضمن قصة فتاة سحرتها الخادمة التي تعمل في منزل أسرتها، من خلال دمية صنعتها وتتحكم في الفتاة من خلال غرز الدبابيس والمسامير في الدمية.. والسر في هذه القصة أن الفتاة أدركت عمل الخادمة واستعدت للبلاء حتى كادت أن تموت وقد صدقت هذه الخدعة وتأثرت بها نفسياً ...فالمسألة إذاً إيحاء نفسي من قبل الخادمة ..والإنسان المؤمن العاقل لا تنطلي عليه هذه الخدعة فلا يتأثر بهذا الإيحاء الكاذب..وهذا هو سر عمل السحرة إجمالاً فليس هناك جن وشياطين يستعينون بهم وإنما يستعينون بشرور أنفسهم.
وفي النهاية آمل أن يتم تفعيل توصية مجلس الشورى بهذا الشأن، وآمل من الجهات ذات العلاقة مثل البلديات ووزارة التجارة وهيئة الغذاء والدواء بالتفتيش على الجهات والفضائيات التي تروج للمواد والمركبات الكيميائية السامة وتصبغ عليها الصبغة الدينية حتى يخدعوا الناس باسم الدين والطب النبوي، ومحاسبتهم قانونياً على ذلك.