في البداية؛ هناك فرق بين المصائب والخسائر التي تحصل قضاء وقدرا وبين ما يحدث نتيجة للفساد والغش والجشع؛ صحيح أن الله تعالى قدر لأهل جدة أن يعيشوا معاناتهم للمرة الثانية في فقد ممتلكاتهم؛ وأن الأرواح التي برئت لخالقها غرقا في السيول لا تُستقدم ساعة ولا تُستأخر؛ ولو كانت في بروج مشيدة؛ لكن كان من الممكن أن تموت آمنة دون فزع وخوف شهدته في سيول الأربعاء هذا العام والذي قبله! ومحاولة بعض أصحاب الخطاب الديني تعليق ما حصل على القضاء والقدر أو كما ينادي بعضهم بتطرف على أنها عقاب نتيجة لذنوب الناس ومعاصيهم؛ فإنما ذلك محاولة للالتفاف على السبب الحقيقي للكارثتين بالتواكل؛ والتعامي بالتنويم عن الأسباب الحقيقية لها وهو الفساد، وأول من أمس نقلت لنا صحيفة الوطن نتائج دراسة كشفت أن أمانة مدينة جدة كانت سببا في تعطيل إنجاز مشاريع بنسبة 60 % لأسباب بيروقراطية كما فهمت من الخبر؛ والبحث عن الأقل سعرا؛ وأتساءل أقل سعرا كيف؟! ومئات الملايين تصرفها الدولة على نفق من أنفاق جدة التي فشلت في تصريف المياه بحجج واهية تفيد أن منسوب الماء أكثر من استيعاب آليات التصريف فيها؛ هذا الفشل الذي جعل من هذه الأنفاق وأحدها تم افتتاحه منذ أسابيع قليلة يتحول جميعها إلى برك مياه يمكن ليخت ومراكب صيد أن تطفو على مياهها!
بصراحة شديدة؛ ما أطالب به اليوم كي لا تتكرر معاناة الفزع والخسارة المادية التي يتكبدها المواطنون والدولة؛ ألا يتم إرساء المشاريع لبناء المرافق العامة والطرق في جدة على شركات مقاولات سعودية أبدا؛ بل على شركات عالمية لديها من الأمانة والضمير وما لم يهبها إياه الدين الذي يفترض أن أثر في أصحاب الشركات السعودية. بصراحة لا نريد سعودة المشاريع ما دامت تُنفذ بأقل من السعر الذي يرسو عليها جشعا في الربح، لتخرج لنا مشاريع عاجزة عن صمود لأسابيع في استيعاب شوية مطر، نحن في جدة وأقولها بلغة عامية ربما يفهمها المسؤولون في الأمانة بحاجة إلىبلاعاااااات لتصريف المياه وفضلات سكان المدينة لا إلى بحيرة المسك ولا إلى مياه البحر التي تلوثت الحياة فيها بسببها؛ نحن بحاجة إلى ذمة وضمير في إرساء المشاريع؛ فالبحث عن الأقل سعرا كبد الدولة خسائر مالية لا جدوى منها، ناهيك عن الإهدار لأموال الدولة لعامين متتاليين لتلافي أضرار الكارثتين وصرف تعويضات للمتضررين؛ هذا غير ما جرفته الكارثة الأخيرة أيضا من مليار ريال من جيوب المواطنين على ذمة عكاظ في خبرها الثلاثاء الماضي؛ فقد تسببت سيول وأمطار جدة في ذعر أهلها وأضرار بالغة في أرواح فُقدت؛ وأسر شُردت بالآلاف؛ وسيارات خسرها ملاكها؛ وكم يحزنني وقد بتُ أمشي في شوارع جدة لأرى أرصفة مكسرة وطرقا مسفلتة تحولت إلى حفر مبعثرة؛ بينما السيارات التالفة باتت على جوانب الطرق خاصة شرق خط مكة السريع؛ ناهيك عن تلفيات الأحياء التي كانت أولى ضحايا سيل سدأم الخير وكأني أرى كل ذلك بقايا فضلات حرب خاضتها جدة لا مجرد مطر خير ورحمة.