أرى أن المواطن هو السبب الرئيس في عدم تحقيق السعودة لأهدافها، وذلك لأن كثيرا من المهن الأخرى، والأنشطة التي صدرت بشأنها القرارات، والتوجيهات حيال سعودتها تتطلب في بعض الأحيان جهدا، ووقتا، وعملا مستمرا على طول اليوم
موضوع السعودة من الموضوعات المهمة التي تحرص حكومة المملكة العربية السعودية على تحقيقها وفق ضوابط تخدم الوطن، والمواطن، ونتيجة للاهتمام بهذا الموضوع صدرت العديد من القرارات التي تهدف إلى تحقيق السعودة في كثير من المجالات، وهي تهدف إلى إتاحة فرص عمل للباحثين عن عمل من السعوديين، فمثلا صدر قرار سعودة أسواق الخضار بالمملكة، وسعودة أسواق الذهب، وسعودة أسواق العقار، وغيرها من المجالات الحيوية الأخرى، وكان لهذه القرارات ردود فعل إيجابية لدى المواطنين، ولكن لم تستمر السعودة بشكل كامل لفترة طويلة، وكأن هناك سعودة مؤقتة في المجالات التي صدرت القرارات حيالها.
ومع صدور قرارات السعودة لا بد من متابعة تنفيذ هذه القرارات، ومع ذلك فالسعودة في أسواق الخضار لم تستمر لفترة طويلة، وكذلك في المجالات الأخرى، وهنا يبرز سؤال رئيس: ما المعوقات التي تواجه السعودة؟ ويتفرع من هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية، ومن هذه الأسئلة: من المسؤول عن عدم تطبيق السعودة؟ هل المواطن سبب في ذلك ؟ هل الجهات المسؤولة عن المتابعة لم تقم بدورها؟ هل السعودة في هذه المجالات غير مجدية اقتصاديا؟ وغيرها من الأسئلة التي تبحث عن إجابات؛ فإذا كانت القرارات موجودة فلماذا لم تطبق بشكل مستمر؟ ومن المسؤول عن عدم نجاح السعودة؟
هنا أرى أن المواطن هو السبب الرئيس في عدم تحقيق السعودة لأهدافها، وذلك لأن كثيرا من المهن الأخرى، والأنشطة التي صدرت بشأنها القرارات، والتوجيهات حيال سعودتها تتطلب في بعض الأحيان جهدا، ووقتا، وعملا مستمرا على طول اليوم، والمواطن لم يعتد على ذلك ويبحث عن العمل المريح، مع العلم أن هذه المجالات تدر ذهبا على صاحبها، وللأسف المستفيد الأول والأخير من هذه المهن هم العمالة الوافدة ، فمثلا سوق الخضار من يقف يوما كاملا من المواطنين ويتحرك فيه بالبيع والشراء فقد يحصل على مكاسب مالية كبيرة غير متوقعة ولا تتطلب رأس مال كبيرا.
العامل الآخر الذي جعل السعودة تختفي تدريجيا في بعض الأماكن ومنها سوق الخضار، هو أن صاحب العمل (السعودي) في بداية عمله في هذه المهنة يأخذ عاملا أو عاملين لمساعدته، وبالتدريج يختفي السعودي عن العمل، وتبقى العمالة هي المسيطرة على المحلات، وتدرك الدخل اليومي لهذه المحلات، ومن ثم تقوم بدفع إجار للمحل لصاحبه الحقيقي، وقد تعطيه راتبا فوق ذلك ليكون بمثابة ستارة نظامية يرجع لها عند الحاجة، فالخلل هنا من جانب المواطن الذي لم يستفد من السعودة ، ولم يوقف العمالة الوافدة من التغلغل في هذه المهن تمهيدا للقضاء على السعودة، وجعلها مجرد قرارات غير نافذة.
أما الجهات المسؤولة عن متابعة تطبيق قرارات السعودة فقد تسهم في عدم تحقيق السعودة لأهدافها، وذلك من خلال عدم استمرارية المتابعة وعدم القيام بجولات تفتيشية مفاجئة على هذه المحلات، فعند صدور قرارات السعودة نلاحظ أن هناك تفاعلا ، وحماسا جميلا في مجال متابعة تطبيق قرارات السعودة، ولكن هذا الحماس لا يدوم، ولا يستمر لفترات طويلة، بل يتلاشى مع الزمن، مع أن هناك جهات تقوم بحملات مفاجئة بين الحين والآخر؛ لكنها تفتقر إلى الاستمرارية في المتابعة، ونتيجة لذلك عادت العمالة الوافدة لتتحكم في الأنشطة الخاصة بالمهن التي صدرت القرارات حيال سعودتها، ولقد وصل الجد ببعض المحلات إلى أن تقوم العمالة الوافدة التي تملك المحل فعليا بتوظيف سعودي في المحل براتب شهري لكي يكون في الواجهة عندما يكون هناك حملات، ومتابعة من الجهات المعنية على هذه المحلات، فالمواطن، والوافد شركاء في عدم نجاح السعودة، والوافد أكثر حرصا على ذلك؛ لأنه يكسب من خلال عملة مبالغ كبيرة.
وأنا على يقين بأن السعودي عندما يقف في محله، ويعمل، ويجد سيوفر له مبالغ كبيرة، وقد يكون هناك تعب وتضحية في البداية ولكن عندما يجني الثمار، ويكسب من عمله سيستمر في عمله وينتج أكثر، ولكن العامل المثبط له هو العمالة التي تضايقه في السوق، وعندما يستعين بها في محله قد تعمل على خسارته لكي يمل بسرعة، ويستسلم لمطالبها لكي تقود دفة المحل تحت ملكيتها وتصرفها. فعندما ترى المحل منظما، ونظيفا، وتتوافر به جميع المستلزمات، فلا بد أن تدرك أن العامل الذي يعمل في المحل هو المالك الحقيقي لهذا المحل، ويهتم به أكثر لمصلحة، أما إذا كان المحل غير ذلك فالمالك الحقيقي له هو صاحبه (السعودي)، والعامل له راتب في نهاية الشهر، ولا يهتم بالمحل كثيرا، ولا يعمل على توفير المواد به، ويصل الحد من التهاون إلى عدم الاهتمام بالزبون، والتعاون معه.
فالسعودة مطلب أساسي ولا بد من التعاون جميعا لكي نحقق أهدافها، ونمنع مضايقات العمالة الوافدة لأبناء هذا الوطن، وتعاون المواطن مطلب أساسي في هذا المجال، وغيره من المجالات الأخرى.