علّمنا التاريخ أن كل الأمم والثقافات الإنسانية في تحول دائم، وأن التغيير حتمية كونية، يسرع وتيرته في زمن ويبطؤها في زمن آخر بناء على المعطيات المحركة حوله، وبما أن محركات التغيير الحالية في
علّمنا التاريخ أن كل الأمم والثقافات الإنسانية في تحول دائم، وأن التغيير حتمية كونية، يسرع وتيرته في زمن ويبطؤها في زمن آخر بناء على المعطيات المحركة حوله، وبما أن محركات التغيير الحالية في معظم دول العالم العربي تجمع العوز المادي والفكري مع التطور التقني والإعلامي الهائل الذي يمنح الفقير ماديا، ثراء معرفيا وتواصلا مستمرا بشكل لحظي، فإنها حققت معادلة نادرة، أجزم أنها لم تتحقق في أي ثورة تغيير.
فما حدث ليس ثورة سياسية بقدر ما هي ثورة ثقافية واجتماعية، لا تحمل أي أيديولوجيا فكرية لها أساس نظري محدد، كما حدث في المد الاشتراكي أو الرأسمالي، فهي خليط من جميع الأيديولوجيات والنظريات الإنسانية المعروفة، ولكنها حتما ستخرج بوجه جديد، يتوافق مع البعد الثقافي/التقني، الذي صنع معظم مراحل التغيير السياسي.
وهنا يفترض بالمفكرين العرب دراسة هذا التغيير لوضع أسس نظرية تفسره وتحدد ملامحه ورؤيته للحياة والمستقبل، وترسم ملامح فلسفته الاقتصادية والثقافية، فنحن على مشارف تشكل مدرسة فكرية جديدة عربية المنشأ هذه المرة خلافا لما سبقها من مدارس، حيث إن هذه المدرسة ـ إن صحت التسمية ـ لم تعتمد على بنية نظرية مكتوبة، كما حدث قبيل المد الشيوعي الذي بني على نظريات كارل ماركس، أو الرأسمالية التي أتت نتيجة تدرج فكري واجتماعي منذ القرن السادس عشر الميلادي. والمثير في هذه الثورة الثقافسياسية أنها ضمت توجهات فكرية متباينة إلى حد التناقض في بعض الأحيان، لن يظهر تباينها بشكل واضح، إلا في اللحظة التي تبدأ فيها تسلم زمام الأمور التشريعية مثل كتابة دستور جديد وتطبيق هذا الدستور على الواقع بواسطة السلطات التنفيذية. فالإسلاميون امتزجوا بالقوميين والاشتراكيين والليبراليين، وكونوا صفا واحدا تحت شعار التغيير ضد ما يرون أنه استبداد سياسي واجتماعي، وهي حالة فريدة في التاريخ الحديث.
ولكن التساؤل هنا: هل تحتاج حركات وثورات مثل هذه لإطار نظري وفلسفي يحدد اتجاهها، ويمنع فشلها وتحول رفقاء الأمس إلى متناحرين؟. أعتقد أن الإجابة نعم.. وهي مهمة أصعب بكثير من مهمة جمع ملايين المتظاهرين في ساحة عامة وفي زمن محدد وتوجيه شعاراتهم باتجاه واحد، لأن تكوين اتجاه ثقافي أقرب إلى التوافق في الرؤية العامة، يحتاج إلى عقود من التشكل والتطور. ولكن على الرغم من ذلك ستفعل التقنية الحديثة ووسائل الاتصال الشيء الكثير في مجال تسريع العجلة، فهي عصب الحياة وبوصلتها الحقيقية.