المكان الذي تبتعد عنه، ويتقشّر طريق الذكرى إليه إلا بما يشبه الضباب. نتفٌ مقضومةٌ ومبعثرة تلعب بها الريح إلى لا استواء؛ تترجرج الصورة ويبهتُ الورق. تختلط الملامح، وتسيل السطور؛
المكان الذي تبتعد عنه، ويتقشّر طريق الذكرى إليه إلا بما يشبه الضباب. نتفٌ مقضومةٌ ومبعثرة تلعب بها الريح إلى لا استواء؛ تترجرج الصورة ويبهتُ الورق. تختلط الملامح، وتسيل السطور؛ يمحو بعضها بعضاً. تجهد العين في الإعادة والتكوين على إيقاع الزمن النائي ودورة الخطوات المنقضية والمشاهد الغاربة؛ لترتدّ الصورة إلى عنفوانٍ لم يكن، وإلى قيمةٍ متضّخمةٍ يتضاءل معها الحاضر ويطفو خارج المشهد.
إن العلاقة مع الأمكنة والأشخاص والأشياء لا تظلّ على حالها، في بعدٍ ثابتٍ محفوظ في لحظته الأولى وعلى سويّة كيانه الأول. الخادرة في شرنقة الزمن، تتطوّر فراشةً مزهوّة لا صلة لها بما كانت عليه من بساطةِ هيئة وضعف حال وضيق مجال. ثمّة ألوان وريش ولمعاتٌ تنضافُ مع الوقت، ولا ننتبه لها. تنمو وئيداً وتتصلّب، وتغدو جزءا ملتصقاً وملازماً؛ بصمةَ الهويّة التي تمنح المعنى وتحفظ الإطار قائماً بغلاف زجاجي شفّاف، لا تدنو منه العتمة أبداً.
ينهض حِلْفٌ يتسربل برداء كان وهناك.. يتخطّى الآن وهنا، يغيب عنهما أو يغيّبهما. ينمحي الحاضر ويتلاشى أثره، ويتعملق الماضي ويشهق سادّاً المنافذ بما يجعل وجوده وحيدا وساريا. البوصلة التي تقود وتتحكّم، وتوجّه ركبَ الحلف نحو ما يتشابه ويتطابق، ويُستعاد تكرارا ملفوحاً بعطر الـكان وهناك يستنفر الحواس ويغذّي المشاعر الهائمة في صورةٍ مستحيلةٍ، واستحالتها هو نقطة السر وموضع الجاذبيّة، ومبعث السحر الذي يشتدّ أثره ويتعالى بريقه كلما خفتَ ضوء الحاضر وتدلّى عُرْفُ شمعتِه.
هذا التعلّق المرضي بصورة بعينها؛ بحالٍ بعينها يُعتبَر ضرباً من ضروب التوهم؛ والسرابيّة تغري وتخدع. تضطرب لها الحواس؛ فتستقبل - تلك الحواس في وجيب اضطرابها وحومة انخطافها - بياناتٍ خاطئة وتستجيب لها بما يخالف الواقع ويفرضه التعاطي الظرفي الذي يعدّه البعض شرطَ الوجود في العالم. كي تحيا، ينبغي أن تعي ما حولك وأن تنتبه إلى المياه العابرة من تحت الجسر.
إن التشبث بالصورة البعيدة المندثرة، واستحثاث الوجدان أن يكون لِصْقَها بما يعنيه الالتصاق من عالةٍ وخوف وإعلانٍ سافر عن انعدام الأمن وتشظّي الاطمئنان وانحلال الثقة في الحاضر؛ زماناً ومكاناً وأشخاصاً وأشياء - إن هذا التشبت حالةٌ من الإفلاس إزاء الآن وهنا. وضعيّة من الهروب والانكفاء، وتراجع القدرة على المواجهة والتحوّل، وبيانٌ عن العجز بموافاة الاستجابة الصحيحة المنسجمة بما يقتضيه الحال المعيشي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ تلك الإضمامة التي تعبّر عن عصرٍ معيّن وعن ناسٍ معينين ينتمون إلى هذا العصر؛ ويعيشونه بتفرده دون سطوةٍ يدٍ مرفوعةٍ من الماضي. يستوي في هذا الماضي أن يكون معنى أو مادة؛ خبرةً أو قيمةً أو كنوزاً أو مقتنيات. فمن الصعب جعل القلب - كما يقول أحد الكتاب - مستوطنةً لأشياء الماضي لمجرد تقادم الزمن عليها.