أجيال من الصمت: الثمانينات والتسعينات والسنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة، إلى أن ولد جيل مصري أشعل الثورة، ليس بدافع الفقر-إنما بدافع الحرية- فالشباب الذين قاموا بالثورة في مصر، أغلبهم من أبناء الطبقة الوسطى
بُعيد انطلاق الثورة المصرية في القاهرة، كانت الحياة اليومية تسير بشكل طبيعي، غير أن ملامح الناس في الأماكن العامة، على غير عادتها، توحي بتجهم وترقب للشباب الثائرين في ميدان التحرير، إلى أن أشرقت شمس يوم الجمعة العظيمة (جمعة الغضب: 28 يناير 2011) وهو اليوم الأصعب في القاهرة على الإطلاق. ومع الصباح اتجهت إلى الشرفة الخارجية لمراقبة الشارع، فوجدت مجموعة من النزلاء الأجانب معظمهم من الفرنسيين، وتعرفت إلى (آرنو) وهو شاب فرنسي لطيف قدم وزوجته ضمن وفد سياحي إلى مصر، تحدثنا بشكل تلقائي وسألني: ماذا تتوقع اليوم؟ فقلت إن اليوم سيكون صعباً؛ ولا سيما أن الأجواء توحي بأن هذا اليوم سوف يكون أكثر توتراً، فقوات الأمن تتواجد بشكل مكثف والفندق يزدحم منذ الصباح برجال الشرطة من ذوي الرتب العالية، وأوقعت السلطات الجميع في مأزق بعد أن قامت بتعطيل شبكة الهاتف النقال والإنترنت، حاولت برفقة الزميل عبدالله السميري الخروج إلى الشارع، وما إن وصلنا قريباً من الحشود المتأهبة للتظاهر حتى طلب منا رجال الأمن العودة من حيث أتينا. التقيت (ولهلم) وهو ألماني، صوته أجش وشكله يوحي بشخصية قاسية لكنه لطيف وخفيف الدم، جلسنا نتجاذب أطراف الحديث لبعض الوقت برفقة الزميل عبدالرحمن النعيم، الذي وطئت قدماه القاهرة يوم الجمعة وبالكاد وصل للفندق نتيجة المظاهرات، حاولت بعدها معرفة ردود الأفعال حول ما يحدث فقلت لصاحب متجر إن تعطيل شبكة الاتصالات عمل غير أخلاقي.. واستدركت: لا أخلاقيات في السياسة أصلاً، وحين مرّ سيل المتظاهرين أمام الفندق، لم تكن هناك أي أفعال تخريبية، إلا أن أمن الفندق كانوا حذرين متأهبين لشيء ما، فبعد ساعتين تقريباً لوحظ انسحاب قوات الأمن بشكل فجائي، واختفت فجأة تلك التيجان والنجوم التي كانت تملأ (اللوبي) في فندق كونكورد، وظهر من تقول السلطات إنهم (البلطجية)، تجمعوا في الشارع وحطموا مقر إحدى شركات الاتصالات عن بكرة أبيه ثم أحرقوه، وامتدت ألسنة الدخان في أماكن متفرقة، بعض المتظاهرين أحرقوا الإطارات وأعاقوا حركة السير في الشارع، وحاولوا عدة مرات إحراق الأشجار المحيطة بالسور الخارجي للفندق وقاموا برمي العبوات الحارقة، إلا أن بسالة الشباب العاملين في الفندق منعتهم من ذلك، مستخدمين خراطيم المياه لرش الأشجار بالمياه وإغلاق الأبواب، إلا أن أولئك أصروا على الدخول فدخلوا ووصلوا إلى داخل الفندق وحطموا المحلات والمتاجر والمرافق المحيطة به، التزمنا بالتعليمات ولزمنا الغرف، والجميل في الأزمة أنها تقرب الناس من بعضهم مهما كانت اختلافاتهم، فبعد الهجوم على الفندق اجتمع بعض النزلاء مع بعضهم واتحدوا كمجموعات في الغرف، دون أن يعرف بعضهم لغة الآخر، ويبدو أن اللغة المعتمدة هي التضامن الإنساني في اللحظات الصعبة، وبعد ساعتين تقريباً جاء الإعلان عن انتهاء حالة الخطر، ونزلنا إلى البهو لمشاهدة التدمير الذي طال بعض المتاجر، وكان أحد الملاك منزعجاً من منظر الدمار، لكن صاحبه واساه بجملة بدت لي في غاية الروعة: كله فدا الشباب، وكأن لسان حاله يقول: شارك في الثورة بدفع ثمن ما، مثلما دفع الشباب دماءهم ثمناً للثورة!
الجميع أحس بخطورة الوضع، إلا أن المتعة كبيرة في أن يشاهد المرء ثورة شعب تتشكل أمامه. فالشعب المصري رزح ثلاثة عقود تحت القمع السياسي، والكبت الاجتماعي، والفقر الاقتصادي؛ كانت الغلبة فيها للحزب الواحد والنظام (اللاديموقراطي) بامتياز، ففي الوقت الذي كان أزلام النظام يسرحون ويمرحون بكل حرية، لم يملك الشعب حينها سوى الصمت.. أجيال من الصمت: الثمانينات والتسعينات والسنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة، إلى أن ولد جيل مصري أشعل الثورة، ليس بدافع الفقر-إنما بدافع الحرية- فالشباب الذين قاموا بالثورة في مصر، أغلبهم من أبناء الطبقة الوسطى، الذين يتذكرون قضية خالد سعيد وغيره كشاهد على الظلم الذي يتعرض له شعب مصر، نتيجة الظلم والفساد وغياب المحاسبة والحريات. صحيح أن الثوار المصريين استلهموا ثورتهم من تونس التي كشفت ضعف الأنظمة التي تدعي الديموقراطية وهشاشة أساساتها أمام إرادة الشعوب، فالمجتمع المصري ظل صامتاً لعقود طويلة الماضية وكأنه على مرجل يغلي، فصمت الشعوب عن الظلم لا يعني الخنوع دائماً، إنما هو استجماع للقوى، وكأن الشعب المصري ينتظر هذه اللحظة، التي علّق فيها الشباب جرس الحرية!
إذاً: تشكلت الثورة بفضل الشباب، ولكن هناك من يريد اختطافها الآن! هناك رموز رديئة تقدمها بعض القنوات-ولا سيما قناة الجزيرة- على أنها قيادات للثورة، على الرغم من أن شباب الثورة لم ينضووا تحت قيادة أحد، فالثورة قادت نفسها بنفسها دون الحاجة إلى قائد أو أمير، فالشباب هم من يقود التحولات حين تضيق مساحات التعبير وينعدم التواصل بين السلطة والشعب، وتعجز القيادات الحزبية المعمّرة عن فعل أي شيء، وأستطيع القول إن الحكومات العربية لم تستوعب حتى الآن (درس شباب الثورة)، هذا الدرس القاسي الذي ما زال يرسم علامات الاندهاش المشوبة بالخوف لدى بعض الحكومات العربية التي تنسى وعودها إذا وعدت!