التخفي بشكل كامل من قبل مراقبي المرور وكاميرات المرور أمر فيه إجحاف على مرتادي الطريق.. لأن التخفي الكافي يعطي مؤشرات أن الهدف ليس المنع أو الوقاية، بل التصيد وتطبيق الغرامة، وهذا ظلم على المواطن

بعد فترة التطبيق التي مر بها ساهر لا بد من تقويمه .إنه خطوة مهمة للردع. إن الله يزع بالسلطان ما لم يزع بالقرآن. والحزم في كل أمر مهم.. ومهم جداً.. ولكن هناك شعرة بين الحزم والتعسف.. إذا زاد الحزم عن حده أصبح تعسفاً.. ولا نريد لهذا النظام أن يكون متعسفاً، فهو خطوة كبيرة ومهمة ومفيدة لابد من استمرارها ودعمها.. وكنت منذ زمن طويل من الذين ينادون بالحزم في قضايا المرور وتحديداً بتطبيق غرامات على المخالفين لإيماني أنه لن تجدي أية طريقة لحسم المخالفات واجتثاث معظمها بغير ذلك.. والتوعية وأسابيع المرور خطوات مهمة ولكنها ليست كافية.. لابد من التلويح بعصا الغرامات واستخدامها عند الحاجة.. وكنت قد كتبت في ذلك منذ زمن طويل وتحدثت مع أصدقائي من المسؤولين في المرور مرات ومرات قبل ساهر على ضرورة تطبيق الغرامات وعدم تقبل الوساطات في ذلك حتى نصل إلى مستوى يعرف فيه كل مخالف أنه لن يفلت من الغرامة.. وقد عشت طويلاً في الغرب.. وأؤكد لكم أنه لم يستقم نظام المرور لديهم إلا بالحزم في تطبيق أنظمة الجزاءات على المخالفين حتى يعرف كل من ارتكب مخالفة حتى عند عدم الوقوف عند إشارة (قف) في تقاطع الطرق أنه لن يفلت من الغرامة.. مستثمرين في ذلك أساليب التخفي أحياناً والظهور أحياناً أخرى بسائر وسائل المركبات بما في ذلك الدراجات النارية لتعزيز هذا التوجه.. إلى درجة أنه قلما يفلت المخالف من العقوبة.
ولقد شهد المرور في شوارعنا خطوات تطوير هامة وحضارية ومؤثرة.. فلم يعد كما في السابق يعتمد على التوعية فحسب.. بالرغم من أهميتها.. وأنا أتفق معهم أنه لم يعد هناك أي قائد لأي مركبة لايعرف أن السرعة خطر عليه وعلى مستخدمي الطرق.. وأن قطع الإشارة قد ينتج عنه مآس له ولغيره.. هذا أمر مُنْتَهي منه.. وشيء جميل أن يدفع المرور بالأفق كما يقول المثل لخطوات أخرى فاعلة لعل من أهمها نظام ساهر واستخدام سيارات تبدو غير رسمية وما إلى ذلك.. لكن نظام ساهر يحتاج إلى وقفة (تقييم).. إنه نقطة تحول في مجتمعنا لكن تقييمه بعد مرور الفترة السابقة لتطبيقه أمر في غاية الأهمية.. ولعل النظر إلى الأمور الآتية يساعد القائمين على قطاع المرور على تقييم التجربة وتطويرها:
أولاً: التخفي بشكل كامل من قبل مراقبي المرور وكاميرات المرور أمر فيه إجحاف على مرتادي الطريق.. لأن التخفي الكافي يعطي مؤشرات أن الهدف ليس المنع أو الوقاية بل التصيد.. وتطبيق الغرامة . وهذا ظلم على المواطن.. يجب أن يعرف مرتاد الطريق أن الطريق مراقب ويرى وسائل المراقبة بوضوح.. فما الفائدة من صيد السائق يقود بسرعة فائقة وتطبيق الغرامة عليه إذا كان قد ارتكب مخالفة السرعة.. فلربما انعكست آثار سرعته عليه وعلى غيره قبل صيده.. فالهدف الوقاية وليس تطبيق الجزاء.. التخفي مطلوب في حالات وممقوت في أخرى.. والمزاوجة بين التخفي والظهور أمر مهم الهدف منه الوقاية.
ثانياً : لماذا لا يُستخدم نظام النقاط للمخالفين بحيث تصنف المخالفات ويوضع لكل مخالفة عدد من النقاط كأن يوضع لقطع الإشارة على سبيل المثال ثلاث نقاط والسرعة نقطتان وعدم حمل الرخصة نقطة وهكذا مثلاً، طبعاً بالإضافة إلى الغرامة.. فإذا وصل عدد النقاط الى 10 نقاط يستدعى المخالفون الذين وصلت عدد نقاطهم لهذا الرقم لدورة إصلاحية مدتها عدة ساعات.
ثالثاً: يتعرض المخالفون في هذه الدورة من قبل أحد المختصين في المرور للإصلاح Rehabilitation وتقدم لهم معلومات بأخطار السرعة وقطع الإشارة وأن احترام أنظمة المرور يكشف حضارة الشعوب ويقيها شر الحوادث ويحفظ الأنفس.. وأن هذا ليس ترفاً بل ضرورة.. وتعرض لهم بعض صور الحوادث المؤسفة ويبين لهم أن الفرق بين سرعة 120 كم / س وسرعة 100 كم / س مثلاً لا توفر لقائد المركبة سوى ثوان أو دقائق حسب طول الطريق وأن هذا لا يستحق المخاطرة.. ويقدم كل ذلك بأسلوب مؤثر مدعوم بالصور تستخدم فيه التقنية الحديثة للتأثير على المخالفين.. فوائد برنامج هذا الإصلاح لا تقتصر على تذكيرهم (لاحظوا أنني أستخدم كلمة تذكير بعناية ولم أقل توعيتهم للأسباب السابقة الذكر) بل إنه عقاب نفسي له تأثير كبير، وهو مطبق في كثير من الدول المتقدمة.
رابعاً: لا بد من إعادة النظر في أمر رفع قيمة المخالفة إلى الحد الأعلى بعد ثلاثين يوماً. فمن الواضح أن الكثيرين لا يعلمون بأن ساهر قد اصطادهم لأن النظام يكتفي بإرسال رسالة بالجوال والكثيرين لا يزالون دون مستوى التعامل بهذه التقنية أو بسبب تسجيل رقم جوال قديم أو موقوف أو متغير ولهذا يقعون فريسة الحد الأعلى من الغرامة. هذه قضية مهمة جداً ولا بد من معالجتها لتجنيب وقوع الكثيرين تحت طائلة تسديد مبالغ لا يستطيعون تسديدها ويترب عليهم ما نعرفه من ضرر بسبب عدم تمكنهم من إنهاء إجراءات كثيرة مثل تجديد الرخصة والجواز ورخصة السيارة...الخ.
خامساً: أي نظام في الدنيا له سلبيات بجانب إيجابياته.
فأرجو ألا ندافع عن نظام ساهر بطريقة عمياء.. هو نظام حضاري بلا شك.. لكن تكتنفه بعض السلبيات.. وقد حان وقت تقييمه والقائمون على قطاع المرور متخصصون وهم أدرى بشعاب مكة.. وهم أقدر من يعرف تفاصيل تطبيقه وأين تكمن الإيجابيات التي يجب تعزيزها وأين تكمن السلبيات التي يجب علاجها .
بعد فترة التطبيق السابقة لا شك أنه تحقق الكثير من الإيجابيات لكن هذا لا يمنع من سرعة التقييم لعلاج سلبياته.. وآمل أن يكون فيما قدمت من اقتراحات بعض ما يمكن الاستفادة منه في تقييم نظام ساهر الذي أدعو من أعماق القلب أن يحقق أهدافه لنرى طرقا ُخالية من الحوادث.