أقترح ألا يسمح لعضو هيئة التدريس بكليات الطب بالعمل في القطاع الخاص وهو على رأس العمل بالكلية إلا بعد أن يعمل في الكلية بشكل تام على الأقل نصف فترة الابتعاث التي حصل عليها من الجامعة داخلياً، أو خارجياً
يلتحق بكليات الطب في الجامعات السعودية نخبة النخبة من خريجي المرحلة الثانوية كل عام بعد مرورهم باختبارات عديدة، ومقابلات شخصية. وهؤلاء الطلاب يحتاجون إلى عناية خاصة من كليات الطب بشكل عام، ومن أعضاء هيئة التدريس بهذه الكليات بشكل خاص في كافة المجالات ومنها مجالا: التدريس بالكلية، والتدريب بالمستشفى. ومما يشتكي منه كثير من الطلاب في بعض هذه الكليات هو عدم تلقيهم التدريس الذي يتوقعونه والتدريب الذي يحتاجونه. ولأن الموضوع شديد الحساسية من قبل بعض الزملاء فقد قمت بمناقشته مع بعضهم وتعرفت على بعض الأسباب التي أدت إلى تلك الشكوى المتكررة في عدم العناية بالتدريس، والتدريب، وقد أفاد بعضهم أن السبب الرئيس وراء ذلك هو أن بعض الزملاء يعمل في القطاع الخاص كاستشاري غير متفرغ بشكل مكثف؛ فأغلب من يشتغل بالقطاع الخاص يعمل في أكثر من مستوصف ومستشفى مع أن التنظيم لعمل أعضاء هيئة التدريس من الأطباء كاستشاري غير متفرغ في القطاع الخاص له ضوابط، من أهمها: ألا يؤثر ذلك على عمله في الكلية بشكل خاص، وفي الجامعة بشكل عام، وما يحدث في بعض الحالات هو أن العمل في القطاع الخاص قد يمتد طوال أيام الأسبوع حتى أيام العطل الأسبوعية عند البعض، ونتيجة لذلك تأثر وضع الطلاب من النواحي التدريسية، والتدريبية، والمتابعة، وأُرهق عضو هيئة التدريس الذي يحاول أن يوفق بين الجانبين، ولنا أن نتخيل كيف تكون عملية التدريس والتدريب في ضوء هذه المعطيات. السبب الآخر يتمثل في تكليف أعضاء هيئة التدريس من المتعاقدين بتدريس وتدريب الطلاب بشكل كبير، وبذلك تكون الاستفادة منهم في مجالي التدريس والتدريب محدودة، ولنا أن نتخيل مستوى مخرجات هذا الكليات.
وقد لاحظت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بالمملكة تدني مستويات مخرجات هذه الكليات في الاختبار الذي تقدمه، ولذلك اقترحت عدم السماح لعضو هيئة التدريس في الكليات الطبية بالعمل في القطاع الخاص كمستشار غير متفرغ، لما لذلك من تأثير على الأدوار المنوطة بهم في كلياتهم في الجوانب التدريسية، والتدريبية، وتطوير المناهج، ومتابعة ما هو جديد في مجالاتهم المختلفة، وهذا الاقتراح في حالة تطبيقه قد يؤدي إلى زيادة الوقت الذي يخصصه عضو هيئة التدريس للطلاب، وينعكس ذلك إيجابيا على مستواهم العلمي، وبذلك نضمن الرقي بمستوى مخرجات هذه الكليات. وكان لدى وزارة التعليم العالي وجهة نظر، أو تحفظ حيال هذا المقترح تخوفا من تسرب الكثير من أعضاء هيئة التدريس بكليات الطب خارج مؤسسات التعليم العالي في حالة منعهم من العمل في القطاع الخاص بالإضافة إلى عملهم بالكليات. وقد تكون هذه النظرة مقبولة، مع أن تسرب أعضاء هيئة التدريس من كليات الطب مستمر، وكل يوم في زيادة سواء لم يسمح لهم بالعمل، أو تم استمرارهم على الوضع الحالي، كما أن دخل عضو هيئة التدريس بعد الحوافز التي تمت الموافقة عليها قبل عامين تحسن بشكل كبير. وهنا أرى أننا بحاجة إلى التخطيط، والتنفيذ لدراسة وطنية لمعرفة الأسباب الأخرى التي أدت إلى تدني مستويات مخرجات كليات الطب بالإضافة إلى ما سبق ذكره، وبناء على نتائجها تقدم مقترحات مناسبة يتم من خلالها حل هذه المشكلات، والتغلب على المعوقات، والرقي بمستوى هذه الكليات ؛ لأن من يلتحق بهذه الكليات هم من أفضل مخرجات التعليم العام، ويستحقون الاهتمام، والرعاية، والعناية لكي يسهموا في تقديم خدمات صحية نوعية، ومتطورة بعد تخرجهم. وحقيقة الأمر أن استمرار الوضع بالشكل الحالي فيه أهدار للجهد والوقت، وللإمكانات المتوافرة بالكليات، ولا يكون هناك توافق بين ما يتم تأمينه من تجهيزات واستعدادات بهذه الكليات ومع ما يقدم للطلاب من تعليم وتدريب، وبذلك قد يصاب الكثير من الطلاب بالإحباط، وينعكس ذلك على تعليمهم وتدريبهم، ومن ثم على مستقبلهم الوظيفي.
وإذا كانت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ترى ضرورة عدم السماح لأعضاء هيئة التدريس بكليات الطب بالعمل في المستشفيات، والمراكز، والمستوصفات الخاصة، وترى وزارة التعليم العالي والجامعات السماح لهم لضمان عدم تسربهم من كليات الطب لجهات أخرى خارج الجامعات، فقد يكون هناك مقترح وسط يضمن لكليات الطب استمرار عمل أعضاء هيئة التدريس بها، والإشراف الدقيق على تدريب أطباء المستقبل، ويتيح الفرصة لهم للعمل في القطاع الخاص وفق الضوابط المحددة له، وهذا الاقتراح يتمثل في ألا يسمح لعضو هيئة التدريس بكليات الطب بالعمل في القطاع الخاص وهو على رأس العمل بالكلية إلا بعد أن يعمل في الكلية بشكل تام على الأقل نصف فترة الابتعاث التي حصل عليها من الجامعة داخلياً، أو خارجياً وبعد تلك الفترة يسمح له بالعمل وفق الضوابط، وتكون هناك متابعة دقيقة من الجهات المختصة بالجامعة، ومن يخالف التنظيم المتبع من أعضاء هيئة التدريس، أو المؤسسات، أو الجهات المستفيدة تتم محاسبته حسب الأنظمة المحددة لذلك.
أخيرا؛ لا بد لنا من معرفة من هو المستفيد من الدرجة الأولى، ومن الدرجة الثانية، ومن هو المتضرر، أو الخاسر الأول، والثاني من ذلك إذا كان لنا أن نقيسها بموازين الربح، والخسارة.