الطفل يضع الأسئلة الضخمة كالجبال، لماذا نولد؟ أين نذهب بعد الموت؟
الطفل يضع الأسئلة الضخمة كالجبال، لماذا نولد؟ أين نذهب بعد الموت؟ من أين نأتي إلى هذا العالم؟ ويتكلم الطفل بعفوية ولا يعرف الخوف إلا من أمرين: الأصوات العالية والسقوط من شاهق، ما عداهما لا يفرق بين العصا والثعبان، ولا وجه أمه وحلمة الثدي والرضاعة، أو الحجر والجمرة، ويراقب العالم بروح الدهشة والفضول؛ فيتعرف في المحطة والقطار على من حوله من الآباء العابسين، حتى يصاب بعدوى المرض فينكمش وينطفئ.
الفلسفة هي تلك الروح الطفولية من التعلم وعدم الكف عن السؤال وبدون خوف.
الطفولة تعني النقاء وعدم وجود الأحكام الأولية وسرعة الالتقاط والذاكرة الرائعة وروح الدهشة والفضول والسؤال عن كل شيء.. من أين نأتي وإلى أين نمضي؟ لماذا يمشي القمر معي؟ أين ذهب جدو؟ لقد مات، ماما لا أريد أن أموت مثل جدو.
روح الدهشة والفضول لكل جديد.. فلا يكف عن التعلم بروح متواضعة، وعن اكتشاف العالم من حوله، لماذا يسقط المطر؟ لماذا ينبت الشجر؟ لماذا تتناوب الفصول؟ من أين أتينا وإلى أين المصير؟ ما معنى الظلم في العالم؟ ولماذا هو موجود؟ وإلى أين يمضي التاريخ؟
هذه هي الفلسفة وهذا هو الفيلسوف، وهذه هي إحدى قواعد البناء المعرفي أن يبقى ويعيش ويحافظ الفيلسوف على هذه الروح من الجدة والتجديد فلا تغتالها التفاهة والروتين..
النقاء.. فلا يفترسها الجشع والطمع والقمع.
لقد قال ممثل ليبيا في الأمم المتحدة في فبراير 2011م وهو يرى القوم صرعى في الجبل الأخضر في بلاده، قال وهو يقترب من حافة البكاء: ألا لعنة الله على السلطة إلا لعنة الله على المال.
وفي القرآن ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه.
وهنا نرى هذا المزيج والتعانق المشؤوم من السلطة والمال فكل يغذي صاحبه.
البناء المعرفي هو ليس حفظا وتقليدا، بل طرح الأسئلة وبناء العقل النقدي الاستقلالي. وحسب ثلاثية مالك بن نبي فإن الإنسان والحضارة يدخلان ثلاث مراحل؛ من عبادة الأشياء والأشخاص قبل الوصول إلى مرحلة عبادة الله الواحد القهار ويطلق عليها (عالم الأفكار).
كذلك الحضارة تمر في هذه الدورة الرتيبة من بداية الروح صعودا مثل إقلاع الطائرات بعزم وتصميم لخرق السحب وركوب الغمام، والثانية خط السواء فتحافظ الحضارة على نفسها، ثم يأتي الدور الثالث الذي لا مهرب منه ولات حين مناص؛ فتهبط الحضارة بعد أن تفقد آخر الطاقات المختزنة.. ويتناسب هذا مع انفلات الغرائز مع تبخر الطاقة الروحية.
وهذا يتماشى من طرف آخر مع القانون الثاني في الترموديناميك، بمعنى أن هناك دورة لكل شيء؛ فالجسم يموت ويتفسخ، والبناء يتشقق، والمركب الكيماوي يتحلل، والدول تزول والحضارات تنهار.. وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.