حلّ جهاز أمن الدولة في مصر هو حلّ لمصدر كبير من مصادر الخوف. حلّه هو ضربة قاسية لدولة الاستبداد. حلّ هذا الجهاز هو عملية تطهير عميقة لبنية الدولة والمجتمع
لم يكن للثورة المصرية أن تفتح أمامها باب المستقبل إلا بحلّ جهاز أمن الدولة الذي تم مؤخرا. برأيي أن حلّ هذا الجهاز لا يقل أهمية وضرورة عن إسقاط النظام ذاته. ولكن لماذا؟ أليس هذا الجهاز هو جهاز حكومي تنفيذي في الأخير وخاضع في الأول والأخير للقيادات التي تحركه وتحدد اتجاهاته؟ ما الذي يعطي حلّ هذا الجهاز أهمية مختلفة وما الفرق مثلا بين حلّه وحل الجيش العراقي في 2003؟
للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من العودة أولا إلى تركيبة دولة الاستبداد لنعرف قيمة ودور هذا الجهاز فيها. ليست الحالة المصرية حالة شاذة، بل التاريخ مليء بالدول الاستبدادية، وقد قام كثير من العلماء والفلاسفة بدراسات من أجل فهم تركيبة دول الاستبداد وقوامها ومنطقها الداخلي. كيف تعمل هذه الدول وكيف تسيطر على الأوضاع القائمة وماهي المعادلة الداخلية التي تحرك دول الاستبداد؟
من أهم الأعمال التي أنجزت في هذا السياق كتاب أصول التوتاليتارية The Origins of Totalitarianism للفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت. الكتاب مترجم للعربية منذ فترة طويلة وقد كتبته أرندت بعد الحرب العالمية الثانية (الطبعة الأولى 1951) كقراءة معمقة لنظامين أساسين في ذلك الوقت: نظام هتلر النازي والنظام الستاليني. بحسب أرندت فإن هذين النظامين هما النموذجان الأكثر تعبيرا عن طبيعة الأنظمة الشمولية الاستبدادية، ودراستهما تعتبر دراسة لجذور فكرة الدولة الشمولية من الأساس.
قبل الحديث عن الكتاب لا بد من الإشارة إلى أن كثيرا من الأنظمة العربية بعد الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين استوردت تركيبتها الأمنية، خصوصا من الاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية، وبالتالي فإن نسخا لما بحثته أرندت قد تم إيجادها في الدول العربية لتشكل أساسا لدول الاستبداد العربية التي بدأت تتساقط واحدة بعد الأخرى. بحسب أرندت فإن الدولة الاستبدادية تقوم على فكرة أساسية، يعمل الدكتاتور على تهميش كل مؤسسات الدولة من وزارات وجهات تشريعية وتنفيذية، وفي المقابل يضخ أهمية كبرى واهتماما فائقا وصلاحية مطلقة لجهاز الأمن السري الذي يشرف عليه هو مباشرة. يقوم الدكتاتور تدريجيا بإحلال جهاز الأمن السري بدلا عن أجهزة الدولة الأخرى، بل يرعب كل العاملين في الحكومة وخارجها بهذا الجهاز. يصبح الجهاز مع الوقت عصب نظام الدكتاتور وحامل رسالته السياسية ومنفّذ خططه غير التنموية.
جهاز الجوستابو الهتلري( جهاز الأمن السري الألماني) وجهاز المخابرات السوفييتي KGB كانت تمثل ألمانيا والاتحاد السوفييتي في زمن هتلر وستالين. مع الوقت قام كل منهما بتقوية هذا الجهاز وتهميش بقية مؤسسات الدولة، بل وتسليط هذه الأجهزة السرية ليس فقط على المواطنين والمعارضة ـ فهذا أمر مفروغ منه ـ بل وحتى على أعضاء الحكومة وموظفي الدولة من أجل إشاعة جوّ من الرعب والخوف في قلوب الجميع، يجعلهم يخضعون بشكل كامل لإرادة الزعيم.
في عهد كل من النظامين قامت هذه الأجهزة الأمنية السرية بتصفية كل من يحتمل أنه سيفكر بمخالفة إرادة الزعيم. في روسيا قامت المخابرات الروسية بتصفية قيادات الحزب الشيوعي ذاته وفي ألمانيا قام الجوستابو بتصفية عدد من قيادات الحزب النازي ومسؤولي الدولة الكبار حتى أصبح الجميع، بما فيهم الشخصيات الكبرى في الحكومة يخافون من هذا الجهاز. سرية الجهاز أيضا مكّنت من الدكتاتور خلق هالة مرعبة حوله، وفي ذات الوقت مكّنت الدكتاتور من إجراء تعديلات في الجهاز من خلال اغتيال قياداته التي يخشى من امتداد سلطتها في المستقبل.
في ظلّ تلك الأنظمة لم يعد يمثل الوزراء أية قيمة سوى قيمة تكنوقراطية شكلية. قيادات الأجهزة الأمنية السرية هي التي كانت تدير البلاد وترسم الخطط المستقبلية وتحدد توجه البلد وتحمل رسائل الزعيم للخارج وتتولى التفاوض في كل القضايا الأساسية. وقبل هذا كله كانت هي الأجهزة المسؤولة تماما عن توفير أجواء الخوف التي لا تستطيع الأنظمة الاستبدادية التواجد إلا فيها.
في مصر الحكاية هي ذات الحكاية مع جهاز أمن الدولة الذي مثل بعبعا للجميع، من المواطن البسيط إلى السياسي المعارض إلى عضو الحكومة المنتمي للحزب الحاكم. الجميع كان يخشى هذا الجهاز وكان حضور هذا الجهاز يعني غياب كل حقوق المواطن. حين يقبض عليك رجل شرطة أو مرور فهذا أمر وأن يقبض عليك أمن الدولة فهذا أمر آخر. أمن الدولة في مصر يعني سجنا بلا محاكمة وتعذيبا وتهما خطيرة وتدميرا نفسيا وتدميرا للمستقبل وخطا لا نهاية له من القلق والتوتر والخوف.
حلّ جهاز أمن الدولة في مصر هو حلّ لمصدر كبير من مصادر الخوف. حلّه هو ضربة قاسية لدولة الاستبداد. حلّ هذا الجهاز هو عملية تطهير عميقة لبنية الدولة والمجتمع. أيضا هذا الجهاز، بطبيعته، غير قابل للإصلاح، وإصلاحه الوحيد هو حلّه.
من الضروري أن يتبع حل هذا الجهاز محاكمة معلنة لأعضائه المتورطين في تخويف المواطن على مدى عقود من الزمن.
حل هذا الجهاز ليس فقط إصلاحا لمؤسسات الدولة، بل هو إصلاح للمجتمع والأفراد. إنه علاج أولي لحالة الخوف التي دمّرت الأرواح والأخلاق وأفسدت الحياة. الخوف الذي زرعته الأجهزة الأمنية هو حالة مرضية، مرض للروح والنفس والعقل. هو عائق للتفكير والإبداع والمشاركة الطبيعية في الحياة. الأجهزة الأمنية السرية في الدول الاستبدادية مهمتها الأساسية تكمن في مسخ الناس وتحويلهم إلى كائنات تخاف من ظلالها، كائنات تخاف من الكلام والتفكير، كائنات تعيش بخوف وتموت كل يوم من الخوف. ولا حياة كريمة إذن تجتمع مع هذه الأجهزة.